ج1.فتح الوصيد في شرح القصيد -الإمام علم الدين علي بن محمد أبي الحسن السخاوي
المتوفى سنة ( 643هـ ) دراسة وتحقيق د. أحمد عدنان الزعبي مدرس التفسير وعلوم القرآن في كلية التربية الأساسية في الكويت
المجلد الأول
أصل الكتاب رسالة جامعية قدمت لنيل الدرجة العالمية ( الدكتوراه ) وقد أجيزت بدرجة ممتاز مع التوصية بالطبع
قالوا عن المؤلف والكتاب
( يقيض الله لها فتىً يبينها ) الإمام الشاطبي
( رأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة ، ولا يكون لواحدٍ منهم نوبةٌ إلا بعد زمان) قاضي القضاة ابن خلكان
( وإنما شهرها بين الناس وشرحها ، وبيَّنَ معانيها وأوضحها ، ونبّه على قدْر ناظمها ، وعرَّف بحال عالمها شيخُنا الإمام العلامة عَلَم الدين بقية مشايخ المسلمين علي بن محمد ابن عبد الصمد السخاوي) . الإمام أبو شامة
( وكلٌّ كَلٌّ على فاتح وصيدها ، ومانِح نضيدها الشيخ العلامة تاج القرَّاء ، سِرَاج الأدباء ، علم الدين السخاوي ، لأنه قرأها على مؤلفها غير مرةٍ ، وهو أعلم بها من غيره من الشَّارِحين ) المقرئ أبو إسحاق الجعبري
( قرأ القراءات على الشاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والأدب بدمشق) ابن العماد الحنبلي
( كان إماماً كاملاً ومقرئاً محققاً ، ونحوياً علامةً مع بصره بمذهب الشافعي t ، ومعرفته بالأصول ،وإتقانه للغة ، وبراعته في التفسير ، وكان من أفراد العالم ، ومن أذكياء بني آدم ، ولا أعلم أحداً من القرّاء في الدنيا أكثر أصحاباً منه ) الإمام الذهبي
(كان إماماً علامةً ، مقرئاً محققاً بصيراً بالقراءات وعِلَلِها ، إماماً في النحو واللغة والتفسير ، عالماً بالفقه وأصوله ، أتقن هذه العلوم إتقاناً بليغاً ، وليس في عصره من يلحقه فيها بل هو والله السبب في شهرتها في الآفاق ، وإليه أشار الشاطبي بقوله : يقيض الله فتىً يشرحها ) الإمام ابن الجزري
شكر وثناء
الحمد لله على تمام فضله وإكرامه ، وعلى إسباغ إحسانه وآلائه ، الحمدلله الذي تتم به الصالحات ، وببركة عمله وإمداده تنجز الأعمال وتدوم البركات ، فله الحمد أولاً وآخراً ، وله الحمد على منِّه وإكرامه ، وتوفيقه وإحسانه بإكمال هذا السفر المبارك ، فله الحمد ماتعاقب الليل والنهار ، وله الحمد كعدد نجوم السماء ، وله الحمد حتى يرضى .
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد الذي بلغ الأمانة ، فقرأ كتاب ربه بالتجويد والإحسان من غير زيادة أونقصان .
ورضوان الله على الصحابة الكرام الذين نقلوا القرآن غضّاً طرياً ، وعلى التابعين الذين صنّفوا المصنفات ، فجالوا البلاد والأمصار لأجل القرآن .
وأسأل الله أن يمطر شآبيب رحمته ومغفرته على قبر والدتي ، وأن يسبغ الفضل والإحسان والصحة والعافية على والدي .
ومن تمام الحقِّ أن أُقَدِّم خالص الشكر والتقدير والعرفان لمعالي مدير جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية الأستاذ الدكتور أحمد علي الإمام ، المشرف على هذه الرسالة ، الذي بذل جلَّ وقته ونصحه ، فشملني بالعناية الخاصة ، والنصح السديد ، فله مني أخلص الثناء والشكر .
ثم الشكر الجزيل لسعادة الأستاذ الدكتور المحقق أحمد الخراط الذي تابع سير تحقيق الكتاب من أولِّ كلمة إلى نهايته فقدم ملاحظاته التي كانت منارات لعملية التحقيق .
كما أقدم الشكر للإخوة الذين ساهموا معي في خدمة هذا الكتاب من تصويرٍ ومقابلةٍ وكتابةٍ ، ونصيحةٍ وكلمةٍ .
ولاأنسى أن أُهْدِي ثواب هذه الرسالة لعمدتي في القراءة ، وشيخي في التلقي العلامة المقرئ الشيخ عبدالفتاح المرصفي الذي تلقيت عليه القراءات العشر ، فرحمة الله عليه وعلى جميع أساتذتي وشيوخي ، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين .
الباحث
المقدمة
وتحتوي على العناصر التالية :
1- سبب اختيار هذا الموضوع .
2- خطة البحث .
3- منهج الباحث في التحقيق .
الحمدُ لله ربِّ العالمين ، الحمدُلله بجميع محامدِهِ كُلِّها ياربنا لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .
والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، وبعد :
فقد اقتضت حكمة الله أن جعل نبينا محمداً e خاتم الأنبياء والمرسلين ، وكتابه مهيمناً على الكتب السماوية كلِّها ، فلا مجال أن يزاحم هذا النبي بنبي آخر ، ولا أن يزاحم هذا القرآن بكتاب آخر.
وإنَّ أكبر معجزة اختصَّ بها نبينا صلوات ربي وتسليماته عليه ، هي معجزة القرآن العظيم التي فاقت كلَّ المعجزات السماوية التي تواكبت من قبل ، وإنَّ معجزة القرآن معجزةٌ خالدةٌ لا تَحُولُ ولا تَزُول ، قال e :
(( ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعْطِي ما مِثْلُهُ آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعاً يوم القيامة ))([1]) .
وقد يَسَّرَ ربُّ العالمين على هذه الأمة تلاوة الكتاب فقال U : {ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآن للذِّكْر }([2]) ومن تيسيره أنه جعله يُتلى بأكثر من قراءة ليوافق السنة ولهجات العرب ، إذ إنه يصعب أن يُلْزِمَهم بلهجةٍ واحدةٍ ، وكان يتلقى رسول الله e القرآن من ربِّ العالمين بواسطة جبريل الأمين سفير رب العالمين ، وكان جبريل يدارس النبي e القرآن في كلِّ عامٍ مرةً ، ثم قام الصحابة بهممٍ عاليةٍ يتلقون القرآن من رسول الله e حتى وصل إلى التابعين ، ثم إلى من بعدهم ، وبرز بعض من الصحابة الذين عُرِفُوا بالحفاظ الجامعين .
وعندما وقعت معركة اليمامة ، وقُتِلت أعداد كثيرةٌ من الحفاظ خشي الفاروق علىكتاب الله ، فأشار على الصديق بجمع القرآن: قال الإمام الشاطبي([3]):
وكلُّ
عامٍ على جبريل يعْرِضهُ |
|
وقيل
آخر عامٍ عَرْضَتَيْنِ قَرَا |
وبعد الصحابة جاء التابعون فضبطوا وكتبوا وحفظوا ثم الذين يلونهم ، فانتشركتاب الله في سائر الأرض ، وظهرت القراءات في هذه المصنفات والمطولات بعد أن كانت محفوظة في الصدور .
1- سبب اختيار هذا الموضوع .
لقد تعمقت صلتي بهذا العلم منذ السنة الأولى في الجامعة حيث أكرمني ربي بحفظ كتابه وعرضه على شيوخ متقنين ضابطين بأسانيد متواترة ، ثم ازدادت صلتي بعد أن جمعته بقراءاته على أولئك الشيوخ ، فكان موضوعي في المرحلة العليا (( الماجستير )) في علوم القرآن ، وكانت رسالتي تحقيق كتاب (( الإشارة بلطيف العبارة )) للإمام أبي نصر العراقي المتوفى بعد 450هـ .
وحرصاً على إدراك المزيد من هذا العلم سجلت في جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في الدرجة العالمية (( الدكتوراه )) موضوعاً في قسم التفسير وعلوم القرآن وهو تحقيق كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد ، للإمام أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى ( 643 هـ ) وتمت الموافقة على هذا الموضوع من قبل الجامعة .
2- خطة البحث :
القسم الأول : الدراسة : وتشتمل على تمهيد وبابين .
التمهيد ويشتمل على :
1ـ نشأة علم القراءات .
2 ـ أهمية علم القراءات وصلته بالعلوم الشرعية .
الباب الأول : الناظم وهو الإمام الشاطبي ، وفيه فصلان :
الفصل الأول : حياة الإمام الشاطبي وفيه عدة مباحث .
المبحث الأول : عصره السياسي .
المبحث الثاني : الحركة العلمية .
المبحث الثالث : ولادته ، اسمه وكنيته ، وصفاته .
المبحث الرابع : رحلاته ، وأسماء شيوخه وترجمة أشهرهم .
المبحث الخامس : تلامذته ، وترجمة أشهرهم .
المبحث السادس :كراماته ، ومؤلفاته ، وثناء العلماء عليه ووفاته.
الفصل الثاني : قصيدة الشاطبية ، وأهم مزاياها ،وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول : أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات .
المبحث الثاني : صفات ومزايا القصيدة .
المبحث الثالث : الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية .
الباب الثاني وفيه فصلان :
الفصل الأول : دراسة عن شارح القصيد الإمام السخاوي وفيه عدة مباحث :
المبحث الأول : عصره من الناحية السياسية والعلمية .
المبحث الثاني : ولادته ، اسمه وكنيته ، شهرته .
المبحث الثالث : من يلقب بالسخاوي غير المؤلف .
المبحث الرابع : رحلاته وذكر شيوخه وترجمة أشهرهم .
المبحث الخامس : شهرته وثناء العلماء عليه .
المبحث السادس : تلامذته وترجمة أشهرهم .
المبحث السابع : آثاره ووفاته .
الفصل الثاني : وصف كتاب (( فتح الوصيد )) وفيه عدة مباحث :
المبحث الأول : أهمية كتاب فتح الوصيد على شروح الشاطبية .
المبحث الثاني : إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه .
المبحث الثالث : منهج المصنف في الكتاب .
المبحث الرابع : وصف مخطوطات الكتاب .
المبحث الخامس : أسانيد الباحث المتصلة إلى قصيدة الشاطبية ، وكتاب فتح الوصيد.
القسم الثاني : التحقيق ، ويشتمل على :
أ- النص الكامل المحقق لكتاب (( فتح الوصيد في شرح القصيد )) .
ب ـ الخاتمة والنتائج التي انتهيت إليها بعد الدراسة والتحقيق .
جـ ـ الفهارس العلمية الشاملة وهي :
1- فهرس الآيات القرآنية .
2- فهرس الأحاديث الشريفة .
3- فهرس الأقوال .
4- فهرس الأشعار .
5- فهرس الأمثال .
6- فهرس اللغات .
7- فهرس الأماكن والبلدان .
8- فهرس أسماء القبائل .
9- فهرس الكتب التي ذكرها المصنف في كتابه .
10- فهرس الأعلام .
11- فهرس المصادر والمراجع .
12- فهرس الموضوعات .
3- بيان منهج الباحث في التحقيق .
كان عملي في تحقيق كتاب (( فتح الوصيد في شرح القصيد )) عملاً مضنياً وشاقاً ؛ وذلك نظراً للمادة العلمية التي وجدتها أمامي ، وأرجو أن أكون قد وفقت لإخراج هذا الكتاب الذي بقي مئات السنين جاثماً على رفوف مكاتب المخطوطات لايرى ضوء الشمس ، وهو الكتاب الذي شهر قصيدة الإمام الشاطبي .
تم منهج التحقيق في هذا الكتاب كالتالي :
أ - كتابة النص من النسختين الأصليتين اللتين اعتمدتهما ، ومقابلتهما مع النسخ الأخرى ، مع بيان الاختلاف ، والإشارة إلى مواضع السقط أوالطمس أو الخرم ، ووضع ذلك بين أقواس .
ب - ضبط نص القصيدة الشاطبية ضبطاً كاملاً ، وقد اعتمدت في الجزء الأول على ضبط المصنف ، ثم مقابلة ذلك بالنظم المطبوع ، حيث توجد طبعتان محققتان : الأولى تحقيق شيخ المقارئ المصرية العلامة المحقق الشيخ علي محمد الضباع رحمه الله ، والثانية تحقيق المقرئ الشيخ محمد تميم الزعبي ،وكلا النسختين لاتخلو من ملاحظات وقد بينت وأثبت الفوارق في ذلك .
جـ- تخريج الآيات القرآنية تخريجاً كاملاً ، وكتابتها بالرسم العثماني .
د - تخريج الأحاديث النبوية ، والآثار .
هـ- تخريج الشواهد الشعرية ، والأقوال ، والأمثال العربية .
و- توثيق الأقوال ، والنصوص التي ينقلها المصنف عن أمهات المصادر المختصة ، وعزوها إلى كتبها ومصادرها .
ز- ترجمة الأعلام الذين ذكرهم المصنف ، أما الصحابة والأئمة المشهورن فلم أترجم لهم لشهرتهم .
ح - التعليق على مايستوجب ذلك من الأقوال ، والجمل الغامضة .
ط- بيان ذكر القراءات التي ذكرت في القصيد ولم يعلق عليها المصنف .
ي - توضيح القراءات والأحاديث الشريفة بوضعها بين الأقواس لتكون واضحة عند القراءة .
ك - عمل فهارس علمية واسعة وشاملة لكل الكتاب .
ولا بد من الإشارة أن أصل الكتاب رسالةٌ جامعية قدمتها لجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية لنيل الشهادة العالمية - الدكتوراه - وقد أجيزت الرسالة بتقدير ( ممتاز ) مع مرتبة الشرف والتوصية بالطبع .
وفي الختام أسأل الله U أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفع به أهل القرآن ، وأن يثيبني عليه عندما أتوسد في قبري والقيام بين يديه عند الفزع الأكبر .
تمهيـد
1 - نشأة علم القراءات .
2 - أهمية علم القراءات وصلته بالعلوم الشرعية .
1 - نشأة علم القراءات :
أنزل ربُّ العالمين القرآن على سبعة أحرفٍ تسهيلاً وتخفيفاً على هذه الأمة ، فقد أخرج الإمام الترمذي عن أُبيّ بن كعب قال : (( يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم العجوز ، والشيخ الكبير ، والغلام ، والجارية ، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ))([4]) .
وكانت القبائل العربية متعددة اللهجات ، لكل قبيلة لهجة اعتادت النطق بها ، وكان من الصعب تغييرها ؛ كالهمز عند بني تميم ، والإمالة عند أهل نجد من قيس ، وأسد ، والفتح عند أهل الحجاز، فاقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن على سبعة أحرف ليسهل على العرب قراءته إذ لو ألزمهم بحرف واحد لعسر عليهم تطويع ألسنتهم حسب ذلك الحرف ولاسيما أنه قال عن نفسه : { ولقد يسَّرْنا القرآن للذكر }([5]) .
وكان الصحابة يختلفون في قراءة القرآن وفق تلقيهم عن رسول الله e ، فيأتون إلى رسول الله e يريد كل واحد منهم أن يصحح قراءته ، فيستمع ويقول للأول : اقرأ فيقرأ ، فيقول : هكذا أنزل ، ثم يقول للثاني : اقرأ فيقرأ ، فيقول : هكذا أنزل ثم يقول لهما إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ماتيسر منه([6]) .
(( ولقد هيأ الله الخليفة عثمان بن عفان حيث جمع القرآن في مصحف واحدٍ، فقد روي أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان ، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية ، وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : ياأميرالمؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك ، فأرسلت بها إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت ، وعبدالله بن الزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بماسواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق .
وأرسل إلى الأمصار المصاحف التي نسخها وهي أربعة : نسخة إلى الكوفة ، وإلى البصرة ، وإلى الشام ، وأبقى واحدة لنفسه ))([7]) .
وأرسل مع كل مصحفٍ قارئاً يقرئهم القرآن حسب لغتهم ولهجتهم ، فانتشرت القراءات في الأمصار .
وقال علي بن أبي طالب t : لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان .
وفي رواية أخرى عن علي t : اختلف الناس في القرآن على عهد عثمان ، فجعل الرجل يقول للرجل : قراءتي خير من قراءتك ، فبلغ ذلك عثمان فجمعنا أصحاب رسول الله e فقال : إن الناس اختلفوا اليوم في القراءة ، وأنتم بين ظهرانيهم ، فقد رأيت أن أجمع على قراءة واحدة([8]) .
(( وقال أبو مجلز - لاحق بن حميد - وهو من جلة تابعي البصرة - : يرحم الله عثمان لو لم يجمع الناس على قراءة واحدة لقرأ الناس القرآن بالشعر ))([9]) .
بعد ذلك قام التابعون فتلقوا القرآن الكريم غضاً طرياً عن الصحابة الكرام ، فأصبح كل واحدٍ منهم يقرأ ويقرئ كما تلقى عن النبي e .
ثم جاء عصر التدوين ، وظهرت الكتب في فن القراءات ككتاب ( الجامع في القراءات ) لمحمد بن عيس الرازي الأصبهاني (ت 253هـ) ، وكتاب ( السبعة ) لابن مجاهد ، وهكذا تواكبت كتب القراءات كتاباً إثر كتابٍ حتى نُظِم هذا العلم بمنظوماتٍ عذبةٍ حتى سهل العلم على طلابه .
2 - أهمية علم القراءات وصلته بالعلوم الشرعية.
يُعَدُّ عِلْمُ القراءات أصل العلوم الشرعيةكلها ، فهو مركز الاختلاف بين المفسرين في تفاسيرهم ، والفقهاء في مسائلهم ، والنحاة في مذاهبهم .
فمثلاً قوله : { فتلقى آدمُ من ربه كلماتٍ }([10]) قرئت آدم بالرفع وكلمات بالنصب ، وقرئت آدم بالنصب وكلمات بالرفع ، فاختلف النحاة في هذه الآية ، وكذلك اختلف المفسرون في تفسيرها .
فمَنْ قرأ بالرفع في ( آدم ) والنصب في ( كلمات ) فعلى أنَّ آدم فاعل ، وكلمات مفعول به ، ويكون المعنى أي : تاب آدم وتلقى من ربه كلماتِ التوبة ، ومن قرأ ( آدمَ ) بالنصب ، و ( كلماتٌ ) بالرفع فعلى أنَّ آدم مفعول به ، وكلمات فاعل ، ويكون المعنى أي : تلقفت الكلمات آدم أي استقبلته ، فصارت كأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه([11]) .
وكذلك قوله : { يـأيها الذِين آمَنُوا إِذا قُمْتُم إلى الصَّلوةِ فاغْسِلُوا وجُوهَكُم وأيديكم إلى المرافق وامْسَحُوا برءوسِكم وأرجلكم إلى الكعبين}([12]) قرئت ( أرجلكم ) بالنصب وبالجر ، فمَن قرأها بالنصب يكون حكمها الغسل كالوجه ، ومَن قرأها بالجر يكون عطفاً على برؤوسكم لفظاً ومعناً ، قالوا : والخفض يقتضي فرض الغسل ، وكيفية الجمع بينهما أن يجعل المسح للابس الخف ، والغسل لغيره .
وكذلك قوله تعالى : { ولاتقربوهن حتى يطْهُرْن }([13]) قرئت بالتخفيف إباحة إتيان النساء بمجرد انقطاع الدم، وقرئت بالتشديد { يطَّهَّرْن } ومعناها الإباحة بعد الغسل([14]) .
إننا نلاحظ في هذه الأمثلة اختلاف المفسرين ، والفقهاء ، والنحاة فيها.
كذلك قوله: { والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كَسَبا نكالاً من الله }([15]) قرئت (( أيمانهما )).
استدل بها الفقهاء على أن السارق تقطع يده اليمنى([16]) .
كذلك ينال القارئ أجراً عظيماً ، وثواباً جزيلاً حيث يكرر الآية في القرآن ويقرئها على أوجهٍ متعددة فيزداد أجره عند الله، ومن فائدته الاطلاع على سعة اللغة العربية وكثرة المترادفات فيها وهي اللغة المختارة عند رب العالمين ، ثم التخفيف على هذه الأمة ، والتيسير عليها في قراءة كتابها كما خفف عليها في شريعتها ، وهو المصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله : (( فاقرؤوا ماتيسر منه ... ))([17]) .
كذلك تحدَّى رسول الله e جميع الخلق قال تعالى :{ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً }([18]) ، فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم : لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله([19]) .
ثم ظهور سر الله تعالى في تهيئة الأئمة القراء العلماء وهم ينقلون كتاب الله U في غاية الإتقان ، فلم يهملوا تحريكاً ، ولا تسكيناً ، ولا إمالة ، فهم المصطفون الأخيار وصدق الله تعالى عندما قال : { ثم أورثنا الكِتَب الذين اصطفينا من عبادنا }([20]) .
الباب الأول
الإمام الشاطبي وفيه فصلان :
الفصل الأول : حياة الإمام الشاطبي وفيه ستة مباحث .
1- المبحث الأول : عصره السياسي .
2- المبحث الثاني : الحركة العلمية .
3- المبحث الثالث : ولادته ، اسمه وكنيته ، وصفاته .
4- المبحث الرابع : رحلاته وأسماء شيوخه وترجمة أشهرهم .
5- المبحث الخامس : تلامذته وترجمة أشهرهم .
6- المبحث السادس : كراماته ومؤلفاته ، وثناء العلماء عليه ، ووفاته .
الفصل الأول
حياة الإمام الشاطبي
المبحث الأول : عصره السياسي .
عاش الإمام الشاطبي رحمه من سنة 538 هـ - 590 هـ فيكون عمره عند وفاته اثنين وخمسين عاماً ، قضى منها أربعاً وثلاثين سنة في شاطبة في بلاد الأندلس ثم ارتحل إلى بلاد مصر واستقر فيها إلى حين وفاته .
وإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي في هذه الفترة فإننا نجده يعاني من أزمات داخلية وخارجية ، ونبدأ بالحديث أولاً عن بلاد الأندلس وبالأخصِّ الفترة الزمنية قبل موت الإمام الشاطبي وبعده وأثناء حياته .
انتهت الخلافة الأموية ، وانتهى دورها ، ثم بعد ذلك قام ملوك الطوائف ، وتقاسموا بلاد الأندلس([21]) ، وانتشر الفساد وعمَّت الفوضى ، وكثرت النزاعات بينهم ، وجاء الغزو الصليـبي على المدن الأندلسية وأصبحت مهددة من النصارى ، ثم قام بعض ملوك الطوائف واستنجدوا بالدولة المرابطية التي قامت في المغرب على يد مؤسسها القائد المسلم يوسف بن تاشفين ، فغزا هذه الدول وقضى على ملوك الطوائف التي كان يسودها الترف والبذخ ، ويمزقها الانحلال والخور ، ووحَّدها جميعاً وغدت الأندلس ولايةً مغربية تخضع لحكومة مراكش التي يحكمها المرابطون .
استمرت دولة المرابطين قرابة خمسين عاماً([22]) ، حافظوا خلالها على بلاد الأندلس ، واستمروا يحاربون النصارى في معارك طاحنة من أشهرها معركة الزلاقة ، التي انتصر فيها المرابطون بقيادة يوسف بن تاشفين ، وهزمت جيوش النصارى شر هزيمة .
في سنة ( 500هـ ) توفي القائد المسلم يوسف بعد أن فاز بملك الأندلس بعد حياة حافلة بعظائم الحوادث .
بعد ذلك قام ولده علي بن يوسف بن تاشفين فواصل الكفاح والجهاد ضد النصارى ، وبالأخص نصارى قشتالة الذين زحفوا للاستيلاء على المدن الإسلامية في أسبانيا . في سنة ( 537 هـ ) توفي علي بن يوسف أمير المسلمين وقد استمر حكمه بعد أبيه قرابة سبعةً وثلاثين عاماً ، وكان عهده من خير العهود بعد عهد أبيه .
بعد ذلك قام ابنه تاشفين بن علي بن يوسف وواصل القتال والجهاد ، ولكن بدأ الضعف يدخل في الدولة المرابطة ، وبدأت الحروب بينهم وبين الموحدين ، حيث قام مؤسس دولة الموحدين وهو محمد بن تومرت الذي ادعى أنه المهدي ، وقام بتنظيم الجيوش ضد دولة المرابطين ، وقد هزمت جيوش المرابطين هزائم متعددة أمام جيوش الموحدين ، وانتهى جيشه بموت تاشفين ، وبذلك انتهت دولة المرابطين ، وقامت دولة الموحدين التي بسطت نفوذها على بلاد الأندلس .
استمرت دولة الموحدين قائمةً على بلاد الأندلس حتى نهاية القرن السادس ، والتفَّ حول أعلام البلاد الموحدي عدد من فقهاء وعلماء وكتاب ، وشعراء ، وحشد الخلفاء الموحدون إلى جانبهم أقطاب البيان والفكر ، واتخذوا منهم وزراء وكتاباً .
بقية البلاد .
قَدِم الإمام الشاطبي مصر سنة ( 572 هـ ) وهي السنة الخامسة على ولاية السلطان صلاح الدين الأيوبي على مصر([23]) ، حيث كانت البلاد قبله مفككة .
في بغداد كانت الخلافة الإسلامية ضعيفة ، وغدا الخليفة العباسي رمزاً فخرج الأمر من يده ، وصارت البلاد تحكم من قبل الوزراء .
في مصر قامت الدولة الفاطمية([24]) بعد انفصالها عن بغداد ، وكان الخلفاء الفاطميون يدينون بالمذهب الشيعي ، حتى عزلوا قضاة السنة في مصر وحل محلهم قضاة فاطميون ، وأقاموا البدع والمنكرات وسفكوا دماء المسلمين ، واستبدلوا بالأذان حي على الصلاة ( حي على خير العمل ) ، وتحولت البلاد إلى بلاد شيعية رافضة ، واستمرت دولتهم قرابة 280 هـ عاماً ، حتى جاء الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي فقضى على دولتهم ، وأزال قضاة الشيعة واستبدل بهم قضاةً من أهل السنة ، وقد توفي آخر خلفائهم وهو العاضد سنة 566 هـ ، وزالت دولته ولم يبق لها أثر .
أعاد الملك صلاح الدين الخطبة لبني العباس بعد أن قُطِعت عن منابر بلاد مصر من عام 359 هـ حتى 566 هــ([25]) .
في دمشق قامت الدولة الزنكية ، وكان الملك نور الدين الشهيد ملكاً عليها ، وقد ملأ البلاد عدلاً وكانت سيرته كسيرة الخلفاء الراشدين .
بعد وفاة الملك نور الدين الشهيد ، استلم البلاد الملك صلاح الدين فأعلن توحيد مصر وبلاد الشام وصار حاكماً للبلدين .
كانت فترة دخول الإمام الشاطبي على مصر والعالم الإسلامي قد شُنت عليه غارات صليبية حيث سقط البيت المقدس في أيديهم ، وأقاموا المذابح في المسجد الأقصى أياماً متتالية ، وبدأت الجيوش الإسلامية تستعد لحرب الصليبيين على جبهتين كبيرتين في بلاد الشام وبلاد مصر .
استمرت ولاية الملك صلاح الدين الأيوبي من 567هـ حتى 589هـ نشر خلالها العدل في البلاد ، وأنشأ أعمالاً خيرية في العالم الإسلامي ، وأعاد للخلافة الإسلامية هيبتها ، فخطب على المنابر للخليفة في بغداد .
قال القاضي ابن شداد([26]) : كان صلاح الدين حسن العقيدة ، كثير الذكر لله تعالى ، مات ولم تجب عليه الزكاة قط ، وكان يحب سماع القرآن ، شديد الحياء ، خاشع الطرف ، رقيق القلب ، سريع الدمعة ، شديد الرغبة في سماع الحديث ، محباً للعدل .
بدأ الملك صلاح الدين يعد العدة لحرب النصارى واسترجاع البيت المقدس من أيديهم ، وقد حقق الله له أمنيته حتى جاءت وقعة حطين سنة583 هـ فالتقى الجيشان جيش الرحمن وجيش الشيطان فانهزم جيش الشيطان شرَّ هزيمة ، وقتلوا شر قتلة ، واسترد المسلمون بيت المقدس بعد أن استحوذ عليه النصارى مدة ( 92 ) عاماً([27]) ، وفرح المسلمون فرحاً عظيماً ، قال أبو الحسن الساعاتي :
جلت عـزماتك الفتح المبينا فقد قرت عيون المؤمنينـا([28])
وقد هان الصليب وكان قدماً يعز على العوالي أن يهونا
وفي عام (598 هـ) توفي الملك العادل صلاح الدين الأيوبي ، وهي السنة التي توجه فيها الإمام الشاطبي إلى بيت المقدس لزيارته ، فاعتكف فيه وصام رمضان ثم عاد إلى مصر .
المبحث الثاني : الحركة العلمية .
كان القرن السادس الهجري قد شهد كثيراً من التحولات ، فقد كانت النهظة العلمية في ذروتها ، حيث شهدت بغداد ، ومصر ،وبلاد الشام نهضةً علمية ، ساعد ذلك وجود الرجلين المصلحين : الملك نور الدين وصلاح الدين ، وقد عدَّ المؤرخون نور الدين سادس خلفاء الراشدين([29]) .
كذلك وجود علماء مخلصين ، ومستشاريين مؤتمنين ، ففي مصر كان القاضي الفاضل عبدالرحيم بن علي ، وهو الذي بنى المدرسة للإمام الشاطبي والتي تعرف بالمدرسة الفاضلية ، فكان قاضياً ورعاً ذا عقلٍ حصيف ، ورأي سديد ، رأى هذه السمات الملك صلاح الدين فاتخذه مستشاراً له يشاوره في كثيرٍ من أموره الخاصة والعامة ، وقال عنه : لم أفتح البلاد بسيفي ، وإنما برأي القاضي الفاضل([30]).
كذلك وجود الشيخ عبدالقادر الجيلاني وامتداد مدرسته التي خرجت العلماء المخلصين في بغداد ، ومن ثم إرسالهم إلى الثغور في بلاد الشام وقد تعلموا العلوم الشرعية ، وملئت قلوبهم إيماناً وتضحية لهذا الدين .
ومن بين هؤلاء العلماء المؤثرين في قلوب الناس في النصح والوعظ والتذكير الشيخ ابن النجا المتوفى سنة ( 599 هـ ) ، وغيره من العلماء والقادة العسكريين([31]) .
وقد أبدعت شخصيات في إدارة الحكم ، فكانت نموذجاً لرجال الإدارة والحكم وأظهرت مهارات في التخطيط والتنفيذ .
كذلك توحيد القيادات الفكرية والسياسية ، حيث اعتمدت على آراء العلماء المختصين ، فكان للسلطان نور الدين مجلس دوري يلتقي فيه القادة العسكريون مع العلماء المختصين([32]) .
انتشرت المدارس النورية والصلاحية في العالم الإسلامي أكثر من أي فترة زمنية مرت على العالم من قبل ، فقد بنى الملك نور الدين كثيراً من مكاتب الأيتام لتعليمهم الخط والقراءة ، وشيد كثيراً من المدارس مثل المدرسة الحلاوية في حلب وهي من أعظم المدارس صيتاً وأكثرها طلاباً ، كذلك المدرسة النورية الصغرى ، ومدرسة جامع القلعة ، والمدرسة العمادية نسبةً لمدرسها العماد الأصفهاني ، والمدرسة الصلاحية ، والمدرسة العادلية في حلب ، والنورية الكبرى([33]) ، وكان عهد الملكين نور الدين وصلاح الدين من أكثر العهود انتشاراً للمدارس ، وكان ابن الشيخ عبدالقادر واحداً من هؤلاء المدرسين في هذه المدارس ، ومن المستشارين المؤتمنين الإمام موفق الدين عبدالله بن قدامة المقدسي([34]) الذي كان مسشاراً لدى السلطان صلاح الدين ، وعلماً من أعلام الفقه الحنبلي .
كان أعظم إنجازٍ حققه الملك الناصر صلاح ومازال في صحيفته هو تحويل الأزهر إلى جامعةٍ سنية تدرس مذاهب أهل السنة بعد أن أنشأه الفاطميون لتدريس مذهبهم الفاطمي .
كذلك انتشرت دور القرآن والحديث والأربطة([35]) وأجرى عليها أوقافاً ماتزال إلى يومنا هذا .
المبحث الثالث : ولادته ، اسمه وكنيته ،وصفاته .
هو الإمام القاسم بنُ فِيْرّه([36]) بن خلف بن أحمد أبو محمد وأبو القاسم الرُّعَيْنِي ، الشَّاطِبي ، المقرئ الضَّرِير .
وُلِدَ في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة في شاطبة ـ وهي إحدى مدن الفردوس المفقود تقع شرقي الأندلس وشرقي قرطبة ، وهي مدينة كبيرة وقديمة ، خرج منها خلق من الفضلاء ([37]).
والصحيح أنه ولد ضريراً كما ذكر الإمام ابن الجزري حيث قال : وبلغنا أنه ولد أعمى .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه وُلِدَ مبصراً ثم ضر وهذا القول ذكره القسطلاني([38]) ، وهو قول ضعيف لم يذكره أحدٌ في كتب التراجم ممن ترجم له .
صفاته :
كان
الإمام الشاطبي مشهوداً له بالعلم والتقوى والصلاح ، موصوفاً بالزهد والعبادة
والانقطاع ، وكان إذا جلس إليه أحد لا يحسب أنه ضرير
بل لا يرتاب أنه يبصر لأنه ما كان يظهر فيه ما يظهر من الأعمى في الحركات ،
وقد عاش فقيراً ومات فقيراً ، وكان ذكياً فَطِناً كثير الفنون ، منقطع
القرين ، حافظاً للحديث ، بصيراً بالعربية ، واسع العلم ،
وكان يصحح نسخ صحيح البخاري ومسلم وموطأ مالك من حفظه ، ويملي النكت على
المواضع المحتاج إليها ، وكان لا يحب فضول الكلام، وإذا سُئِلَ عن حاله لا
يقول إلا : العافية ، وكان لا يشتكي ولا يتأوه ولا يظهر شيئاً من
ذلك .
قال تلميذه الإمام السخاوي في وصف الإمام الشاطبي مانصه([39]) : (( كان عالِماً بكتابِ اللهِ ، بقراءاتِهِ وتفسيرِهِ ، عَا لِمَاً بحديث رسول الله e ، مبرِّزَاً فيه ، وكان إذا قُرِئَ عليه البخاريُّ ومسلمٌ والموطأُ يُصَحِّحُ النُّسَخَ من حفظه ، ويُمْلي النُّكتَ على المَوَاضِع المحتاجِ إلى ذلك فيها وكان مُبرِّزاً في علمِ النَّحو والعربية ، عَارفَاً بِعِلمِ الرؤيا ، حَسَنَ المقاصِدِ ، مُخْلِصَاً فيما يقولُ ويفعل ، وكان يجتنبُ فُضُولَ القولِ ، ولايتكلمُ في سَائِر أوقاتهِ إلا بما تدعو إليه ضرورةٌ ، ولا يجلسُ للإقراء إلا على طهارةٍ في هيئةٍ حَسَنةٍ ، وخضوعٍ واستكانةٍ ، ويمنعُ جُلَسَاءهَ من الخوضِ والحديثِ في شيءٍ إلا في العلمِ والقُرْآن .
وكان يعتلُّ العِلَّة الشَّدِيدةَ فلا يشتكي ولايتَأوَّه ، وإذا سُئِل عن حالِه قال : ( العافية ) لايزيدُ على ذلك ، وكان يَجْلِسُ إليه من لم يعرفه فَلا يَرْتاب في أنه يُبْصِرُ لأنه لذكائه لا يظهرُ منه ما يظهرُ من الأعْمَى في حركاتِهِ )) .
قال الإمام ابن الجزري ([40]): (( كان إماماً كبيراً أعجوبة في الذكاء كثير الفنون آيةً من آيات الله تعالى ، غاية في القراءات ، حافظاً الحديث ، بصيراً بالعربية ، إماماً في اللغة ، رأساً في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف ، شافعي المذهب ، مواظباً على السنة )) .
المبحث الرابع : رحلاته ، وأسماء شيوخه ، وترجمة أشهرهم :
رحلاته :
أخذ القراءات عن الإمام أبي العاص النفزي في شاطبة ، وأجازه فيها ، وذكر الإمام السخاوي نصّ الإجازة([41])
بعد أن أخذ عن شيوخ شاطبة رحل وطاف في بلاد الأندلس ، فدخل بلنسية ، فقرأ القراءات وعرض كتاب التيسير من حفظه على الإمام المقرئ الشيخ أبي الحسن علي ابن الهذيل الأندلسي البلنسي الإمام الزاهد ، وسمع من أبي عبد الله محمد بن حميد حيث أخذ عنه كتاب سيبويه ، والكامل للمبرِّد ، ثم رحل إلى الحج .
وسبب خروجه من الأندلس إلى الحج وإقامته في القاهرة ما ذكره الإمام أبو شامة نقلاً عن تلميذه الإمام السخاوي قال قال لي([42]) : (( أريد على أن يتولى الخطابة في شاطبة ، فاحتج بأنه قد وجب عليه الحج ، وأنه عازم عليه فتركها ولم يرجع إليها تورعاً لما كان يُلْزِمُون الخطباء من ذكرهم على المنابر بأوصاف وألقاب لم يرها سائغةً شرعاً )) .
فرحل إلى الإسكندرية فالتقى بالإمام أبي طاهر السِّلَفِي فسمع منه وروى عنه ، ثم ذهب إلى الحج وكان ذلك سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة وكان عمره أربعةً وثلاثين عاماً ، فدخل القاهرة وولاه القاضي الفاضل مشيخة الإقراء بمدرسته الفاضلية لإقراء القراءات والنحو ، والعلوم النافعة ، فاشتهر اسمه ولمع نجمه في مصر وفي العالم الإسلامي ، فصار كعبة للعلماء والقراء من سائر الأقطار .
تصدر للإقراء بالمدرسة الفاضلية التي بنيت لأجله ، وكانت له حلقةٌ للإقراء في جامع عمرو بن العاص ، وتهافت الناس عليه يقرؤون القراءات .
وقد طلب منه الأمير أن يحضر إليه فاعتذر وقال([43]) :
قـُـلْ للأميرِ نصيحـــةً لاتَــرْكَنَنَّ إلى فقيهِ
إنَّ الفقيهَ إذا أتـَــى أبوابكم لا خير فيهِ
ثم زار القدس قبل وفاته بثلاث سنين وصام به شهر رمضان واعتكف بعد أن فتحها الملك صلاح الدين الأيوبي ، ثم رجع إلى القاهرة .
أسماء شيوخه وترجمة أشهرهم .
أخذ الإمام الشاطبي عن شيوخ من بلاد الأندلس وغيرها من بلاد المسلمين ، وسأذكر أهم هؤلاء الشيوخ الذين ذكروا في الكتب والتراجم والتاريخ والسير ، وهم :
1 - أبو عبد الله محمد بن العاص النفزي المقرئ([44]) ، أخذ القراءات ، وجوَّدها عن أبي عبد الله بن سعيد الداني ، وكان ديناً خيراً بصيراً بالروايات ، وعنه أخذ أبو عبد الله ابن سعادة ، وأبو القاسم الرُّعيني الشاطبي ، وهو قديم الوفاة . توفي سنة بضعٍ وخمسين وخمسمائة .
قرأ عليه الشاطبي القراءات السبعة ، وقد أجازه بها ، وقد أورد الإمام السخاوي نصّ الإجازة في هذا الكتاب([45]) .
2 - الإمام علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي([46]) ، المقرئ ، الزاهد ، لازم أبا داود ، ونشأ في حجره لأنه كان زوج أمه ، فقرأ عليه القراءات ، وسمع منه شيئاً كثيراً ، وهو أجلُّ أصحاب أبي داود وأثبتهم ، كان منقطع القرين في الفضل والدين والورع ، والزهد مع العدالة والتواضع والإعراض عن الدنيا ، صوَّاماً ، قوَّاماً ، كثير الصدقة ، قرأ عليه الشاطبي وخلق لا يحصون . توفي سنة ( 564 هـ).
3 - الإمام أبو عبد الله محمد بن حميد([47]) ، أخذ عنه كتاب سيبويه ، والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة .
4 - الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن خلف بن نعمة الأنصاري البلنسي([48]) الإمام الكبير صاحب كتاب ري الظمآن في تفسير القرآن ، وهو أحد الأئمة المشهورين كان أستاذاً حافظاً علامة ، حافظاً للفقه والتفسير والسنن ، زاهداً ورعاً ولي الخطابة في بلنسية ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى توفي سنة ( 567هـ ) .
5 - أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة الإشبيلي([49]) توفي سنة (564 هـ) .
6 - أبو عبد الله محمد بن عاشر([50]) المتوفى سنة ( 567 هـ) .
7 - أبو الحسين عُليم بن هاني العمري([51]) المتوفى سنة ( 564 هـ) ، وكان عالماً ديناً صالحاً زاهداً .
8 - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي المعروف بابن الفرس([52]) المتوفى سنة (567 هـ) .
9 ـ أبو القاسم بن حبيش([53]) صاحب عبد الحق بن عطية صاحب التفسير المشهور ورواه عنه . المتوفى سنة (584 هـ).
10 - أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ أبو طاهر السِّلَفِي([54]) ، حافظ الإسلام ، وأعلى أهل الأرض إسناداً في الحديث والقراءات ، مع الدين والثقة والعلم ، توفي سنة ( 576هـ) .
المبحث الخامس : تلامذته وترجمة أشهرهم :
انتفع بهذا الإمام خلق كثير فكلهم كان يقبل عليه ، ويأخذ من علمه ويقرأ عليه فازدحم الناس عليه في الديار المصرية ، ومن أشهر هؤلاء :
1 - الإمام علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني أبو الحسن السخاوي([55]) ، شيخ القراء في دمشق . ومؤلف هذه الرسالة .
2 - علي بن شجاع بن سالم بن علي ، الشيخ الإمام كمال الدين الضَّرير([56])، المعروف بصهر الشاطبي شيخ القرّاء بالديار المصرية في زمانه .
قرأ القراءات السبعة والقصيد على الإمام الشاطبي ، وقد قرأ من أول القرآن إلى سورة الأحقاف فتوفي الشاطبي قبل إكمال الختمة وقد تزوج بعد ذلك بابنة الشاطبي وجاءه منها الأولاد ، توفي سنة (661هـ) .
قلت : وسند القصيدة الشاطبية اليوم إنما جاء من طريق صهر الشاطبي عن الشاطبي نفسه ، ولا أعلم طريقاً غير هذا الطريق في أيامنا هذه والله أعلم .
3 - المقرئ الزين بن عمر بن حسين الكردي([57]) ، وهو من كبار القراء في عصر السخاوي ، أخذ القراءات عن الشاطبي وتصدر للإقراء ، توفي سنة (628 هـ ) .
4 - محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله القرطبي([58]) المقرئ الفقيه المالكي الزاهد قرأ القراءات على الشاطبي ، وسمع منه ، جلس للإقراء بعد موت الشاطبي ثم تزهد . توفي سنة ( 631 هـ ) .
5 - محمد بن القاسم بن فيره ولد الإمام الشاطبي([59]) بقي إلى سنة ( خمس وعشرين وستمائة ) ، وعاش نحو الثمانين سنة .
6 - محمد بن محمد بن وضاح أبو بكر اللخمي([60]) الأندلسي المقرئ خطيب جزيرة شقر سمع حرز الأماني من أبي القاسم الشاطبي ، وتصدر للإقراء ببلده توفي سنة (634 هـ) .
7 - أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب([61]) المقرئ أحد الأعلام قرأ القراءات على الشاطبي توفي سنة (646 هـ ) .
8 - عيسى بن أبي الحرم المقرئ إمام جامع الحاكم([62]) توفي سنة (649هـ)
9 - عبد الله بن محمد أبو الفضل الأنصاري المصري المعروف بابن فار اللبن([63]) ، سمع الشاطبية على مؤلفها أبي القاسم ، وطال عمره ، وكان آخر من روى عن أبي القاسم في الدنيا . توفي سنة (664 هـ) .
وقد ذكر الإمام الذهبي بعضاً من تلامذته منهم([64]) : أبو الحسن بن خيرة ، وحدث عنه محمد بن يحيى .
وذكر ابن الجزري منهم([65]) : عيسى بن مكي ، ومرتضى بن جماعة ، وأبوالقاسم عبدالرحمن بن سعيد الشافعي .
المبحث السادس:كراماته ، ومؤلفاته ، وثناء العلماء عليه ، ووفاته .
شَهِدَ العلماء بولاية الإمام الشاطبي وتناقلوا بعضاً من أخبار كراماته ، قال عنه الإمام ابن السبكي([66]) : (( كان الشاطبي من العلماء المتورعين وأولياء الله المخلصين )) .
وقال عنه الحافظ ابن الجزري([67]) : (( هو وليُّ الله )) .
وقد ذكر تلميذه وخليفته من بعده الإمام السخاوي بعضاً من هذه الكرامات قال([68]) : (( وذكرتُ له يوماً جَامِعَ مصر، وقلتُ : قد قيل : إنَّ الأذَانَ يُسمَعُ فيه مِنْ غَيْرِ المؤذِّنين ولايُدرى ماهو؟.
فقال : قد سَمِعْتُه مِرَارَاً لا أُحصيها عند الزَّوَال .
وقال لي يوماً : جَرَتْ بيني وبين الشيطان مخاطبةٌ ، فقال لي : فعلتَ كذا فسأُهلِكُك
فقلتُ له : واللهِ ما أبالي بك .
وقال لي يوماً :كنتُ في الطريق وتخلَّفَ عنَّي من كان معي ، وأنا على الدابَّةِ ، وأقبل اثنانِ فسَبَّني أحدُهما سبَّاً قبيحاَ ، وأقبلتُ على الاستعاذة ، وبَقي كذلك ما شاء الله ، ثم قال له الآخر : دَعْهُ ،وفي تلك الحال لَحِقَني من كان معي ، فأخبرتُه بذلك فطلبَ يميناً وشِمَالاً فلم يَجدْ أحداً )) .
وكان رحمه الله يَعْذِلُ أصحابـَه في السِّر على أشياء لا يعلمها منهم إلا اللهU .
قال الحافظ ابن الجزري([69]) : كان الشاطبي يصلي الصبح ثم يجلس للإقراء ، فكان الناس يتسابقون السُّرى إليه ليلاً ، وكان إذا قعد لايزيد على قوله : من جاء أولاً فليقرأ ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق : فاتفق بعض الأيام أن بعض أصحابه سبق أولاً ، فلما استوى الشيخ قاعداً قال : من جاء ثانيا فليقرأ ، فشرع الثاني في القراءة وبقي الأول لا يدري حاله ، فأخذ يتفكر فيما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له ، فتذكر أنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لمَّا استيقظ من نومه ، فبادر إلى النوبة ، فاطلع الشيخ على ذلك ، فأشار للثاني بالقراءة ، ثم إنَّ ذلك الرجل بادر إلى الحمام المجاور للمدرسة فاغتسل به ، ثم رجع قبل فراغ الثاني ، فلما فرغ الثاني قال الشيخ : من جاء أولاً فليقرأ ، فقرأ .
قال الإمام السخاوي([70]) : سمعت أبا عبدالله الكردي يقول : حججت سنة ثمانين وخمسمائة فسمعت جماعةً من المغاربة يقولون : من أراد أن يصلي خلف رجلٍ لم يعص الله قطُّ في صغره ولاكبره فليصلِّ خلف أبي القاسم الشاطبي .
مؤلفاته :
1 - ألّف الإمام الشاطبي قصيدته المشهور المسماة بـ (( حرز الأماني ووجه التهاني )) ، وقد سماها في القصيد قال :
وسَـمَّيتُـهَا حِـرْزَ الأمَانِــي تَيَـمُّنَا ووَجـَهَ التَّهَـانِي فَاهْنِهِ مُتَقَبَّـلا
وقال عنها: (( لايـَقْرأُ أحدٌ قصِيدَتي هذه إلاويَنْفَعُه اللهU بها لأنني نَظَمْتُهَا للهِ سُبحَانه ))([71]) .
وهي من أنفس ماكتب ونظم في هذا الفن حيث نظم كتاب التيسير لأبي عمرو الداني .
2 - عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد تبلغ مائتين وثمانية وتسعين بيتاً حيث نظم فيها كتاب المقنع لأبي عمرو الداني وهي منظومة في رسم المصاحف . يقول فيها :
الحمدُلله
مَوْصُولاً كما أَمَرا ومن
يَقُلْ بكلامِ اللهِ طَالَبَهم |
|
مُبارَكاً
طَيِّباً يسْتَنْزِلُ الدِّررا لم
يَحْلُ في العِلْمِ وِرْداً ولا صَدَرا |
3 - منظومة تسمى ناظمة الزهر في عدد الآي([72]) ،وعدد أبياتها مائتان وسبعة وتسعون بيتاً ، يقول فيها :
بدأتُ
بحمد الله ناظمةَ الزهر وإني
استخرتُ الله ثم استعنته وأنيطت
في أسرارها سر عذبها |
|
لِتجني
بعون الله عيناً من الزهر على
جمع آي الذِّكر في مشرع الشِّعر فسر
مُحيَّاه بمثل حَيا القَطْر |
4 - منظومة في خمسمائة بيت([73]) نظم فيها كتاب التمهيد لابن عبدالبر قال الإمام السخاوي([74]) : وأَخْبَرَنِي : أنَّه نَظَمَ في كتابِ التَّمْهِيد لابن عبدالبَر رحمه الله قصيدةً داليةً في خمسمائة بيتٍ من حفظِهِ ، أحاطَ بالكتابِ عِلماً .
ثناء العلماء عليه :
أثنى الأئمة والمؤرخون وعلماء الحديث على الإمام الشاطبي وملئت كتبهم بذكره حتى أفرد الإمام القسطلاني رحمه كتاباً خاصاً عن حياة الإمام الشاطبي سماه الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي([75]).
وممن أثنى عليه تلميذه الإمام السخاوي قال([76]) : (( كان عالِماً بكتابِ اللهِ ، بقراءاتِهِ وتفسيرِهِ ، عَا لِمَاً بحديث رسول الله e ، مبرِّزَاً فيه )) .
وكذلك قال الإمام الذهبي([77]) : (( القاسم بن فِيره الشاطبي الرُّعيني كان إماماً علامةً ذكياً ، كثير الفنون ، منقطع القرين ، رأساً في القراءات وكان موصوفا بالزهد والعبادة والانقطاع ))
قال أبو شامة([78]) :
رأيت جماعة فضلاء فازوا برؤية شيخِ مصر الشاطبي
وكلــهم يعـظمـه ويثني كتعظيم الصحابة للنبي
قال السبكي([79]) : (( كان الشاطبي من العلماء المتورعين، وأولياء الله الفائزين )) ، وقال أيضاً : (( كان الشاطبي إمام القراءات في عصره حرّر رواياتها ، ورفع على هام الجوزاء راياتها ، فأصبح في وقته والناس لغيره قالون ، وعقدوا عليه إجماعهم وقالوا : هو قالون ، انتهت إليه الرئاسة في إقراء القراءات ومعرفة وجوهها وتقرير علومها ، مع المعرفة التامة بالحديث ، والنحو ، واللغة وغير ذلك مما انفرد به ، واعترف له به أهل عصره ومن بعدهم ، وانتفع به جماعة من الأجلاء ، وارتقوا ببركته إلى المناصب العلية والمراقي السَّنِيَّة )) .
قال الإمام أبو إسحاق الجعبري([80]) : (( كان إماماً في علوم القراءات ، ناصحاً لكتاب الله، متقناً لأصول العربية رُحْلَةً في الحديث ، لا يجلس للإقراء إلا متطهراً )) .
وقال الصلاح الصفدي([81]) : (( كان إماماً علامةً نبيلاً ، محققاً ذكياً ، حافظاً للحديث كثير العناية به )) .
قال الإمام ابن الجزري([82]) : (( هو ولي الله العلامة أحد الأعلام الكبار المشهورين في الأقطار كان إماماً كبيراً أعجوبة في الذكاء آية من آيات الله )) .
قال القسطلاني([83]) : (( هو الإمامُ العارِفُ ، الوَليُّ الكاشف ، قطب دائرة القراء ، وحامل لواء الإقراء ، أربى في فصاحته على سحبان ، كان علم المهتدين ، وحجة السالكين ، متكلماً بنور بصيرةٍ تشرق على السرائر ، ولايته أشهر من الشمس وأضوأ من القمر ، فهو الولي الذي ما شكّ أحدٌ بحمد الله في صدق ولايته ، والإمام الذي ودَّ كل إمام أن يصلى خلفه ليعدَّ من جماعته )) .
وفــاته :
وبعد هذه الرحلة العظيمة لهذا العالم المتقن الذي صنعته الأقدار لحفظ كتاب الله العظيم توفي إمام العلم المقرئ الكبير الإمام الشاطبي بعد صلاة العصر من يوم الأحد سنة تسعين وخمسمائة في القاهرة([84]) ، ودفن يوم الاثنين بمقبرة البيساني ، وصلى عليه أبو إسحاق المعروف بالعراقي إمام جامع عمرو بن العاص ، وكانت جنازته مشهودة لم يتخلف عنها أحدٌ وأسف الناس لفقده .
- ([1]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن 6/97 .
- ([2]) الآية ( 17) من سورة القمر .
- ([3]) منظومة (( عقيلة أتراب القصائد في رسم المصاحف )) .
- ([4]) جامع الترمذي 5/194 ، 195 ، وقال عنه : هذا حديث حسن صحيح .
- ([5]) الآية (17) من سورة القمر .
- ([6]) صحيح البخاري بشرح السندي 2/226 . باب أنزل القرآن على سبعة أحرف .
- ([7]) انظر : المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار لأبي عمرو الداني ص/48 ، المرشد الوجيز لأبي شامة ص/54 .
- ([8]) انظر : المقنع ص/8 ، والمرشد الوجيز ص/54 .
- ([9]) انظر : المقنع ص/9 ، المرشد الوجيز ص/70 .
- ([10]) الآية (37) من سورة البقرة .
- ([11]) انظر تفسير الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 1/326 ، روح المعاني للآلوسي 2/122
- ([12]) الآية (6) من سورة المائدة .
- ([13]) الآية (222) من سورة البقرة .
- ([14]) تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي3/88 ، روح المعاني 1/237 ، والمغني في توجيه القراءات العشر المتواترة للدكتور محمد سالم محيسن .2/80 .
- ([15]) الآية (38) من سورة المائدة
- ([16]) قراءة شاذة لايقرئ بها اليوم . انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي6/167
- ([17]) صحيح البخاري بشرح السندي 2/226
- ([18]) الآية (88) من سورة الإسراء
- ([19]) انظر كتاب سراج القارئ ص/ 18 .
- ([20]) الآية (32) من سورة فاطر .
- ([21]) انظر دولة المرابطين والموحدين في الأندلس 1/ 32 .
- ([22]) انظر دولة المرابطين والموحدين في الأندلس 1/ 32 .
- ([23]) النجوم الزاهرة 6/9 .
- ([24]) البداية والنهاية 12/ 263 .
- ([25]) البداية والنهاية 12/ 278 .
- ([26]) النجوم الزاهرة 6/9 .
- ([27]) البداية والنهاية 12/ 323 .
- ([28]) النجوم الزاهرة 6/34 .
- ([29]) الكواكب الدرية 56 .
- ([30]) البداية والنهاية 13/ 24 .
- ([31]) البداية والنهاية 13/ 35 .
- ([32]) نور الدين محمود ص 399 .
- ([33]) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة ص 110 ، ونور الدين محمود ص 239 .
- ([34]) شذرات الذهب 5/19 .
- ([35]) مفرج الكروب في أخبار بني أيوب 2/54 .
- ([36]) [ بكسر الفاء بعدها ياء ساكنة ثم راء مشددة بعدها هاء ومعناها بلغة العجم الحديد ] ذكر القسطلاني أنه ولد مبصراً ثم عمي وقال أبيات :
- وقالوا قد عميت فقلت كلا وإني اليوم أبصر من بصير
- وهي أبيات تنسب لعبد الله بن عباس عندما كف بصره .
- ( مختصر المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي ص/ 52 )
- ([37]) معجم البلدان 3/309 .
- ([38]) مختصر الفتح المواهبي ص 28 .
- ([39]) انظر مقدمة الإمام السخاوي ص 1/109 من هذه الرسالة في قسم التحقيق .
- ([40]) غاية النهاية 2/ 21 .
- ([41]) انظر قسم التحقيق في هذه الرسالة 1/ 112 .
- ([42]) ذيل الروضتين ص /7 . ، وقوله : (( أريد على أن يتولى )) لعلها : أريد عليه أن يتولى
- ([43]) معرفة القراء الكبار 2/575 .
- ([44]) معرفة القراء الكبار 2/ 546 ، غاية النهاية 2/ 204 .
- ([45]) انظر قسم التحقيق في هذه الرسالة 1/ 9.
- ([46]) معرفة القراء الكبار 2/ 517- غاية النهاية 1/573 .
- ([47]) معرفة القراء 2 / 559
- ([48]) غاية النهاية 1 / 553 .
- ([49]) الذيل والتكملة 5 / 2 / 548
- ([50]) الذيل والتكملة 5/1 / 99-101.
- ([51]) الذيل والتكملة 5 /1 /429-430
- ([52]) الديباج المذهب 2/261 .
- ([53]) غاية النهاية 1 / 378 .
- ([54]) غاية النهاية 1/102
- ([55]) انظر : ترجمته في قسم الدراسة من هذه الرسالة .
- ([56]) غاية النهاية 1/544 .
- ([57]) معرفة القراء الكبار 2/ 638 .
- ([58]) معرفة القراء 2/ 639 .
- ([59]) غاية النهاية 2/230 .
- ([60]) 2/ 644 .
- ([61]) معرفة القراء الكبار 2/ 657 .
- ([62]) معرفة القراء الكبار 2/ 652 .
- ([63]) معرفة القراء الكبار 2/ 661 .
- ([64]) معرفة القراء الكبار 2/ 574 .
- ([65]) غاية النهاية 2/23 .
- ([66]) طبقات السبكي 7/270 .
- ([67]) غاية النهاية 2/20 .
- ([68]) انظر : قسم التحقيق من هذه الرسالة ص 1/10 .
- ([69]) غاية النهاية 2/21 .
- ([70]) ذكره القسطلاني في كتابه . مختصر الفتح المواهبي ص 50 .
- ([71])انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة 1/109 .
- ([72]) إتحاف البررة بالمتون العشرة ص 342 .
- ([73])كتاب التمهيد لابن عبدالبر طبع الآن في ستٍ وعشرين مجلداً فكيف نظمه الشاطبي في (500) بيت ، فلعلها (5000) بيت . والله أعلم ، ولاوجود لهذة القصيدة في المكاتب ولم يقف عليها أحد من العلماء .
- ([74])انظر : قسم التحقيق من هذه الرسالة ص 1/109 .
- ([75]) وقد اختصره الدكتور محمد عقيل وسماه مختصر الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي ، حيث حذف الأسانيد وكان الأولى عدم اختصاره ولا سيما أنّ كتاب المناقب لم يطبع بل اختصره قبل أن يطبع .
- ([76]) انظر : قسم التحقيق من هذه الرسالة ص 1/109 .
- ([77]) معرفة القراء الكبار 2/574 .
- ([78]) غاية النهاية 2/21 .
- ([79]) طبقات السبكي 7/270 .
- ([80]) كنز المعاني مخطوط ورقة 9 .
- ([81]) نكت الهميان 28 8 .
- ([82]) غاية النهاية 2/20 .
- ([83]) مختصر المواهب ص 49 .
- ([84]) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة 1/110،111 .
الفصل الثاني : قصيدة الشاطبية
وفيه عدة مباحث :
المبحث الأول : أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات .
المبحث الثاني : صفاتها ومزاياها .
المبحث الثالث : الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية .
الفصل الثاني قصيدة الشاطبية
وفيه عدة مباحث :
المبحث الأول : أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات :
تُعَدُّ قصيدة الشاطبية المسماة بـ ( حرز الأماني ووجه التهاني ) من أهم وأبدع ما أُلِّف في علم القراءات حيث نظم فيها كتاب التيسير لأبي عمرو الداني([1]) فكانت قوية متينةً ، اشتهرت في الآفاق والبلدان ، وطارت بها الركبان ، وأثنى عليها علماء القراءات وغيرهم .
قال الإمام أبو شامة([2]) : (( ثم إن الله تعالى سهَّل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبي رحمه الله من قصيدته المشهورة المعروفة بحرز الأماني التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر ، فنبذ الناس من مصنفات القراءات ، وأقبلوا عليها لما حَوَتْ من ضبط المشكلات ، وتقيد المهملات مع صغر الحجم وكثرة العلم )) .
قال الإمام الذهبي([3]) : (( وقد سارت الركبان بقصيدته ( حرز الأماني ) ، وحفظها خلق لا يحصون ، وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء فلقد أبدع وأوجز وسهَّل الصعب )) .
وقال الإمام ابن الجزري في وصف القصيدة الشاطبية([4]) : (( ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول مالا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن ، بل أكاد أقول : ولا في غير هذا الفن ، فإني لا أحسب أنَّ بلداً من بلاد الإسلام تخلو منه ، بل ولا أظن أنَّ بيت طالبِ علم يخلو من نسخة منه ، ولقد تنافس الناس فيه ورغبوا في اقتناء النسخ الصحاح حتى إنه كان عندي نسخة جامعة للقصيدة اللامعة بخط السخاوي فأعطيت وزنها فضة ثمنا لها فلم أقبل )) .
قال في مرآة الجنان([5]) : (( نظم القصيدتين اللتين سارت بهما الركبان وخضعت لبراعة نظمها فحول الشعراء وأئمة القراء والبلغاء )) .
وقد مدحها زكي الدين بن سفيان فقال([6]) :
لله درُّ الشَّاطبي
الذي |
|
أهدى لنا الدُّرَ
بنظمٍ غَلا |
قلت : ومن بركة إخلاص مؤلفها عموم النفع والشهرة التي طارت في الأفاق ، فكل طالب علم من عصر مؤلفها إلى يومنا هذا إذا أراد تعلم القراءات فأول ما يبدأ به هو حفظ القصيدة الشاطبية .
ولقد أصبحت من المراجع الأساسية حتى إنها تدرس في جامعات العالم الإسلامي إذ إنها حوت القراءات السبعة المتواترة بأسلوب جميل .
وكان طالب العلم إذا أراد تعلم القراءات يحفظ كتاباً من كتب القراءات كالتيسير وغيره ، فجاء الإمام الشاطبي وفتح هذا العلم بنظمه البديع حتى سهَّل العلم على طالبيه .
لذلك تنافس الطلاب على مرِّ العصور بحفظها والوقوف على معانيها ، وغدت من أمهات المتون .
المبحث الثاني : صفاتها ومزاياها:
إنَّ قصيدة الشاطبية غزيرة المادة العلمية ، جزلة في العبارة ، مشرقة في بلاغتها وبيانها ، حلوة في عبارتها ، عميقة في أفكارها ، بليغة في جملها قد نُظمت على البحر الطويل ، وكانت لامية القافية ، وقد نظم أولها في شاطبة في الأندلس([7]) إلى قوله :
جَعَلْتُ أبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ دَلِيلاً عَـلَى المنْظُــــومِ أَوَّلَ أَوَّلا
ثم بعد ذلك رحل إلى مصر وأكمل نظم القصيدة فيها ، ويلاحظ فيها براعة الإمام الشاطبي ، وسهولة النظم ، واختيار الألفاظ العذبة، وألبسها ثوباً أدبياً جميلاً متواضعاً، فقال :
وألْـفَـافُهَا زَادَتْ بنَشْـرِ فَـوَائـدٍ فَلَفَّتْ حَيَاءً وجْهَهَا أَنْ تُفَضَّلا
ويلاحظ عليها إخلاص مؤلفها وخوفه من الله U فقال :
ونَادَيْتُ اللَّهُـمَّ يَاخيَـْـرَ سَـــامِـعٍ أَعِذْنِي مِن التَّسْمِيعِ قَوْلاً وَمِفْعَلا
أخِي أَيُّهَا المُجْتَازُ نَظْمِي بِبِابِه يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلا
ويلاحظ فيها غيرته على كتاب الله وعلى القراءات ورده على النحاة الذين جعلوا النحو ميزانا يَزِنُون القراءات فإذا خالفت قراءة قارئٍ قاعدةً في النحو عندهم طعنوا في هذه القراءة وضعَّفوها فقال :
. . . . . . . . . . . . فلا تلم مِنْ مُلِيمي النَّحْوِ إِلا مُجَهِّـــلا
وبالجملة فإن القصيدة تحتوي على علوم كثيرة في القراءات والنحو والبلاغة والأدب والأخلاق وإليك بعضاً من ذلك :
وَفِي الفَجْرِ بِالوَادِي دَنَا جَرَيَانُهُ وَفِي الوَقْفِ بِالوَجْهَينِ وَافَقَ قُنْبُــلا
وَحَيْثُ أَتَاكَ القُدْسِ إِسْكَانُ دَالِـهِ دَوَاءٌ وَلِلبَـاقِينَ بِالضَّــمِّ أُرْسِــــلا
وَنَقْلُ قُـرَانٍ وَالقُــرَانِ دَوَاؤُنَــا وَفِي تُكْمِلُوا قُلْ شُعْبَةُ المِيمَ ثَقَّــــلا
انظر إلى هذه الأبيات كيف جمع القراءات فيها بإسلوب جميلٍ بديع ، فقال : ( بالوادي دنا جريانه ) حيث ذكر جريان الوادي ليأتي برمز ابن كثير وهو ( د ) من ( دنا ) ، وفي البيت الثاني أتى بكلمة القدس بإسكان الدال وهي قراءة ابن كثيرٍ ، وأتى برمزه وهو الدال من ( دواء ) ، وكذلك كلمة ( قرآن والقرآن ) في القرآن كله حيث قرأها ابن كثير بنقل الهمزة ، وأتى بكلمة ( دواؤنا ) ليأخذ حرف الدال وهو رمز ابن كثير ، وأتى بكلمة دواؤنا من الدواء وهو العلاج ، ليبين أن القرآن دواء القلوب .
وبالجملة فإن القصيدة لو نظر وتأمل فيها أحد لاستخرج منها كنوزاً وفنوناً عديدة ، فقد روى السخاوي عن شيخه الشاطبي أنه قال([8]) : (( لو كان في أصحابي خيرٌ أو بركة لاستنبطوا من قصيدتي هذه مالم يخطر ببالي )) .
وقال أبو شامة في شرحه على الشاطبية([9]) : رأيت الشيخ الشاطبي في المنام ، وقلت له : ياسيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت : كيت وكيت ، فقال : صدق .
المبحث الثالث : الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية
لقد حظيت القصيدة الشاطبية بعنايةٍ كبيرة من علماء وأئمة القراءات ، وتسابق العلماء لشرحها وبيان غموضها وتسهيل معانيها ، وإليك أهمَّ هذه الشروح :
1- ((فتح الوصيد في شرح القصيد)) للإمام السخاوي وهو الكتاب الذي بين يديك، وسأتكلم عن أهمية هذا الشرح عند دراسة الإمام السخاوي .
2- وشرحها المنتخب ابن أبي العز رشيد الهمَذاني المقرئ النحوي([10]) توفي سنة (643هـ ) ، قال أبوشامة : وانتفع في معرفة قصيدة الشاطبي ، ثم تعاطى شرحها فخاض ، ثم عجز عن سباحته وجحد حقِّ تعليم شيخنا له وإفادته .
3- وشرحها العلامة أبو عبدالله محمد بن حسن بن محمد الغزالي الفاسي المقرئ توفي سنة ( 656هـ ) ، وسماه : (( اللآلئ في شرح القصيدة ))([11])، قال الذهبي: وشرحه في غاية الحسن .اهـ ، وهو لايزال مخطوطاً .
4- الإمام عبدالرحمن بن أبي القاسم الأزدي التونسي توفي سنة ( 626هـ ) ، وهو ممن قرأ على الإمام الشاطبي ، وقد شرح الشاطبية .
5- وشرحها الإمام أو عبدالله محمد بن أحمد المعروف بـ (( شعلة )) وسماه (( كنز المعاني ))([12]) توفي سنة ( 656هـ) وهو مطبوع .
6- وشرحها الإمام المقرئ عبدالرحمن بن إسماعيل أبوشامة الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ( 665 هـ ) وسماه : (( إبراز المعاني )) وهو مطبوع([13]) .
7- وشرحها العلامة المحقق إبراهيم بن عمر الجعبري ، وسمى شرحه (( كنز المعاني في شرح حرز الأماني ))([14]) ، وهو لايزال مخطوطاً .
8- وشرحها ابن سمين الحلبي وسماه : (( العقد النضيد في شرح القصيد )) وهو لايزال مخطوطاً .
9- وشرحها علي بن عثمان المشهور بابن القاصح ، توفي سنة ( 801 هـ ) وهو شرح مطبوع([15]) .
10- ومن القراء المعاصرين العلامة المقرئ الشيخ عبدالفتاح القاضي المتوفى سنة ( 1403 هـ) ، وهو كتاب مطبوع سهل العبارة ، جمُّ الفائدة ، غزير العلم .
هذه أهم الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية فيما وقفت عليها .
الباب الثاني
وفيه فصلان :
الفصل الأول : دراسة عن شارح القصيد الإمام السخاوي وفيه عدة مباحث :
1ـ المبحث الأول : عصره من الناحية السياسية والعلمية .
2- المبحث الثاني : ولادته اسمه وكنيته ، شهرته ، صفاته .
3ـ المبحث الثالث : من يلقب بالسخاوي غير المؤلف .
4 - المبحث الرابع : رحلاته وذكر شيوخه وترجمة أشهرهم .
5ـ المبحث الخامس : شهرته وثناء العلماء عليه .
6ـ المبحث السادس : تلامذته وترجمة أشهرهم .
7- المبحث السابع : آثاره ووفاته.
الفصل الأول
الإمام السخاوي
المبحث الأول : عصره من الناحية السياسية والعلمية .
ولد الإمام السخاوي في سنة ( 558 هـ ) وتوفي سنة ( 643 هـ ) ، وماذكرته في عصر الإمام الشاطبي يجري على عصرالإمام السخاوي لأنهما متقاربان ، ولكن سأتحدث عن الناحيتين السياسية والعلمية بعد وفاة شيخه الإمام الشاطبي أي : بعد سنة (590 ) . حيث كان عمر الإمام السخاوي اثنين وثلاثين عاماً .
توفي الملك صلاح الدين الأيوبي ، وخلفه في الحكم أولاده وقد تقاسموا البلاد فيما بينهم وحصل نزاع وحروب طويلة ، وعادت الأمة إلى كبوتها وغفلتها ، وساد الفوضى وانتشر الفساد في الحكم ، وغدت الخلافة العباسية رمزاً من غير تأثير في قلوب الناس .
في سنة ( 616 هـ ) ظهر جنكيزخان بجيوشه الزاحفة حيث عبر نهر جيحون ، فخربوا البلاد وأثاروا الفساد ، وملكوا خلال سنةٍ واحدة سائر بلاد المسلمين ماعدا العراق والشام ومصر فخاف الناس ، وقنتوا في الصلوات والأوراد .
بقيت الحركة العلمية قويةً ، فكان هناك علماء مثل : الحافظ تقي الدين ابن الصلاح ، والإمام الشيخ الحافظ عبد الغني العماد الحنبلي ، والإمام ابن تيمية ، والعز بن عبدالسلام .
كان حاكم دمشق الأشرف أبو الفتح موسى بن العدل بن أيوب([16]).
المبحث الثاني :ولادته اسمه وكنيته ، شهرته .صفاته.
هو الإمام علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن غالب ، علم الدين ، أبو الحسن الهمْداني السَّخَاوي ، المقرئ المفسِّر النَّحْوي([17]) ، شيخ القراء بدمشق في زمانه .
ولد سنة ثمانٍ أوتسع وخمسين وخمس مائة ( بسخا ) ونُسِبَ الإمامُ السَّخَاوي إلى ( سخا ) وهي مدينة في مصر ، قال ياقوت الحموي([18]) : سخا : كورة بمصر وقصبتها سخا بأسفل مصر ، وهي الآن قصبة كورة الغربية ، ودار الوالي بها ، وهي من فتوح خارجة بن حنظلة بولاية عمرو بن العاص حين فتح مصر أيام عمر t اهـ.
قلت : والنسبة إلى ( سخا ) سَخَوِي لأن القاعدة : أنَّ الاسم إذا كانت فيه الألف الأصلية ثالثةً قلبت واواً كعَصاً وعَصَوِيٍّ ، وفَتَىً وفَتَوِيٍّ ، فتصبح النسبة في سَخَا سَخَوي قال ابن مالك :
لشبهها المُلْحِق ، والأصليِّ ما لها ؛ وللأصليٍّ قَلبٌ يُعْتَمِي
قال ابن عقيل([19]) عند هذا الموضع : إنَّ ألف الإلحاق المقصورة كألف التأنيث في وجوب الحذف إن كانت خامسةً كَحَبَرْكي ، وحَبَرْكيٍّ .
وأما الألف الأصلية ؛ فإن كانت ثالثةً قُلِبَت واواً كعَصَاً وعَصَوِيٍّ .
وأما هذه النسبة وهي السخاوي فهي من قبيل إطلاق الناس عليه ، ويطلق عليه من شواذ النسب .
كان مبدؤه الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام مالك بمصر ، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي ، وسكن بمسجدٍ بالقرافة يؤمُّ فيه مدة طويلةً ، ولما قدم الإمام الشاطبي بلاد مصر لازمه ، وأخذ عنه الشاطبية حيث قرأ عليه الشاطبية أكثر من مرةٍ ، قال في شرحه فتح القصيد([20]) : (( والآن أبدأ بشرح حرز الأماني مستعيناً بالله ، وهو خير مُعين .
قال رحمه الله ، وقرأتها عليه غير مرةٍ عارضاً ومقيداً )) ، وبعد أن أتم القراءة رحل إلى دمشق مع الأمير موسك بن جكو([21]) ابن خال الملك صلاح الدين الأيوبي ، حيث كان يعلم أولاده ، ثم استوطن دمشق إلى أن مات .
صفاته :
قال الإمام ابن الجزري([22]) : (( كان إماماً علامةً مقرئاً محققاً بصيراً بالقراءات وعللها ، إماماً في النحو واللغة والتفسير ، عالماً بالفقه وأصوله ، طويل الباع في الأدب ، مع التواضع والدين والمودة وحسن الأخلاق ، من أفراد العالم وأذكياء بني آدم ، مليح المجاورة ، حلو النادرة ، حاد القريحة ، مطرح التكليف ، وافر الحرمة ، كبير القدر ، محبباً إلى الناس ، ليس له شغلٌ إلا العلم والإفادة )) .
ولما جاء إلى دمشق وقرأ على علمائها لمع نجمه وعلا صيته ، وأقبل الناس إليه يقرؤون ، فصارت له حلقة بجامع دمشق ، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح ، وبها كان مسكنه .
وقد وصفه القاضي ابن خلكان قائلاً([23]) : (( رأيته مراراً راكباً بهيمةً إلى الجبل - جبل قاسيون بدمشق - وحوله اثنان وثلاثة يقرؤون عليه دفعةً واحدة في أماكن من القرآن مختلفة وهو يرد على الجميع )) .
وقد أنكر الإمام الذهبي هذا العمل عندما ترجم للإمام السخاوي ، فقال([24]) : ما أعلم أحداً من المقرئيين ترخَّص في إقراء اثنين فصاعداً إلا الشيخ علم الدين ، وفي النفس من صحة تحمل الرواية على هذا الفعل شيءٌ فإنَّ الله ماجعل لرجلٍ من قلبين في جوفه .
ولا ريب في أنَّ ذلك أيضاً خلاف السنة ، لأنَّ الله تعالى يقول: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا }([25]) ، وإذا كان هذا يقرأ في سورة ، وهذا في سورة ، وهذا في سورة في آنٍ واحدٍ ، ففيه مفاسد :
أحدها : زوال بهجة القرآن عند السامعين .
وثانيها : أن كل واحدٍ يشوش على الآخر ، مع كونه مأموراً بالإنصات .
وقد دافع الإمام ابن الجزري عن فعل الإمام السخاوي ، وردَّ على قول الإمام الذهبي فقال([26]) : في النفس شيء ، ألم يسمع وهو يرد على الجميع مع أنَّ السخاوي لانشك في ولايته .
قلت : لا يمنع أن يكون دقة الشيخ وقوة حفظه وضبطه من السماع لاثنين أثناء القراءة ، ولكن الأفضل أن يقرأ التلاميذ عليه واحداً واحداً فإنه أكثر ضبطاً لكتاب الله .
المبحث الثالث : من يلقب بالسخاوي غير المؤلف .
أحببت أن أبين للقراء من لُقِّبَ بالسخاوي من العلماء الذين وقفت عليهم في كتب التراجم وذلك خوف اشتباه الأسماء .
1- الأديب أبو الفتح بن عبدالرحمن بن علوي السخاوي الحنفي([27]) ( ت 629 هـ ) ، فقيه أديب ، شاعر خطيب ، توفي بدمشق ، ومن مؤلفاته : الإيضاح ، التجريد ، وكلها في الفقه .
2- عز الدين محمد بن أبي الكرم الحنفي([28]) ، وكان قاضياً توفي سنة ( 646هـ )
3- محمد بن الحسن بن علي السخاوي([29]) ، من آثاره الثغر الباسم في صناعة الكاتب . بقي حياً إلى ( 846هـ) .
4- علي بن إسماعيل اليمني السخاوي([30]) ، شاعر من آثاره ديوان شعر .
5- محمد السخاوي القاضي بن أحمد بن موسى السخاوي المدني([31]) ، من القضاة ، ولي قضاء المدينة ثلاثين سنة .
6- محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي([32]) ، مؤرخ . وهو من تلامذة الإمام ابن حجر العسقلاني . توفي بالمدينة سنة ( 902 هـ ) .
قلت : وقد اشتهر بالسخاوي اثنان وهما : الإمام علم الدين علي بن محمد السخاوي صاحب هذه الرسالة ، والسخاوي المؤرخ والمحدث محمد بن أبي بكر السخاوي .
المبحث الرابع : رحلاته وذكر شيوخه وترجمة أشهرهم .
رحل إلى مصر ولازم الإمام الشاطبي ، وأخذ عنه القراءات ، وروى عنه قصيدته بعد أن أجازه بها ، وكانت إجازته في آخر شعبان سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة ، وكان عمر الإمام السخاوي سبعةً وعشرين عاماً ، يقول الإمام الشاطبي في نصِّ الإجازة([33]) :
(( بسم الله الرحمن الرحيم : يقول أبو القاسم بن فيرُّه بن أبي القاسم بن أحمد الرُّعيني ثم الشاطبي : إنَّ صاحبه أبا الحسن علي ابن الشيخ الصالح أبي عبدالله محمد بن عبد الصمد السخاوي عرض عليه قصيدته التي عملها في مذاهب الأئمة الأمصار . وقد أذنت لصاحبنا المذكور أن يرويها عني ويُرَوِّيها من أحب لمن أحب ثقةً بعلمه لها وفهمه فيها على حسن ما أخذته عليه ، والله تعالى يجعل ذلك كله وُصلةً إلى ما يحبه ويرضاه ، ويعين جميعنا على ما يقرب في دنياه وأخراه ، ويجعلنا ممن يغبط في حمل العلم ونشر مَراحه ومغداه ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، وكتب أبو القاسم المذكور في آخر شعبان الذي من سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة )) .
قلت : ويعد الإمام السخاوي أقرب تلميذٍ لشيخه الإمام الشاطبي ، بل خليفته من بعده .
رحل إلى الإسكندرية ، وأخذ عن الإمام المحدث أبي طاهر السلفي ، ثم رحل إلى الشام واستقر فيها إلى حين وفاته فالتقى بالشام بشيخ قرائها بتاج الدين الكِنْدِي المقرئ النحوي فقرأ عليه .
ذكر شيوخه وترجمة أشهرهم :
1- الإمام أو القاسم الشاطبي الذي أخذ عنه قصيدته اللامية .
2- الإمام المحدث أبو طاهر السلفي الذي انفرد بعلوِّ الإسناد في عصر في الحديث ، وقد روى عنه الحديث وعلومه .
3 - زيد بن الحسن تاج الدين أبو اليُمن الكندي البغدادي المقرئ ، النحوي الحنفي([34]) ، شيخ القراء والنحاة بدمشق .
عُمِّر طويلاً ، وانفرد في الدنيا بعلو الإسناد في القراءات، وانتهى إليه أيضاً علو الإسناد في الحديث ، وقد مدحه الإمام السخاوي بقوله :
لم يكن في عصر عمرو مثله وكذا الكندي في آخر عصر
فهما زيدٌ وعـمـرو إنما بُنِيَ النحو على زيدٍ وعمرو([35])
توفي سنة ( 613 هـ ) ، وسبب قراءته عليه أنَّ الإمام السخاوي عندما عزم الرحيل إلى دمشق ودَّع شيخه الإمام الشاطبي ، فقال الإمام الشاطبي([36]) : إذا مضيت إلى الشام فاقرأ على الكندي ولاتروي عنه ، فأخذ عنه القراءات والنحو واللغة ، والأدب .
4- غياث بن فارس بن مكي أبو الجود اللخمي المنذري المصري([37]) المقرئ شيخ القراء بديار مصر ، أقرأ الناس دهراً ، ورحل إليه ، وكان ديناً فاضلاً ، بارعاً في الأدب توفي سنة (605 هـ ) .
5- محمد بن يوسف بن علي أبو الفضل الغزنوي([38]) الإمام المقرئ ، الفقيه الحنفي تصدر للإقراء في القاهرة ، وقرأ القراءات على سبط الخياط ، قرأ عليه الإمام السخاوي . توفي سنة ( 599 هـ ) .
6 - أبو الجيوش عساكر بن علي المقرئ النحوي الشافعي([39]) توفي سنة ( 581 هـ ) .
7 - هبة الله البوصيري([40]) .
8- إسماعيل بن ياسين([41]).
المبحث الخامس : شهرته وثناء العلماء عليه .
يُعَدُّ الإمام علم الدين السخاوي من الأئمة المشهورين في علوم القراءات والتفسير والنحو ، وقد كانت له شهرة في الآفاق ، لذلك وجدت ترجمته في أكثر من عشرين مرجعاً في كتب التراجم والتاريخ والطبقات ، وقد احتل مكانةً عالية عند القراء والنحاة وغيرهم : قال تلميذه الشيخ المقرئ شهاب الدين أبو شامة مثنياً([42]) : (( توفي شيخنا علم الدين علامة زمانه ، وشيخ أوانه بمنزله بالتربة الصالحية ، وخُتِمَ بموته موت مشايخ الشام يومئذ )) .
وترجم ياقوت الحموي ترجمة واسعة ، وهي أقدم ترجمة للإمام السخاوي حيث كتبها في حياته سنة ( 619 هـ) . قال([43]) : (( كان مبدؤه الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام مالك ، وهو أديب فاضل ، دين ، يُرْحَلُ إليه للقراءة عليه )) .
قال الإمام الذهبي([44]) : (( كان إماماً كاملاً ومقرئاً محققاً ، ونحوياً علامةً مع بصره بمذهب الشافعي t ، ومعرفته بالأصول ، وإتقانه للغة ، وبراعته في التفسير ، وكان من أفراد العالم ، ومن أذكياء بني آدم ، ولا أعلم أحداً من القراء في الد نيا أكثر أصحاباً منه )) .
قال الإمام ابن الجزري([45]) : (( كان إماماً علامةً مقرئاً محققاً بصيراً بالقراءات وعللها ، إماماً في النحو واللغة والتفسير ، عالماً بالفقه وأصوله، أتقن هذه العلوم إتقاناً بليغاً ، وليس في عصره من يلحقه فيها )) .
وقال في شذرات الذهب([46]) : (( قرأ القراءات على الشاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والأدب بدمشق )) .
المبحث السادس : تلامذته وترجمة أشهرهم وذكر مؤلفاته .
عاش الإمام السخاوي قرابة التسعين عاماً ، ونال شهرة عظيمة في قلوب الناس مما جعل الناس يتزاحمون عليه للقراءة حتى كثر تلامذته عن غيره من شيوخ الإقراء ، وقال عنه القاضي ابن خلكان([47]) : (( رأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة ولا يكون لواحدٍ منهم نوبة إلا بعد زمان )) .
وقال الإمام الذهبي([48]) : (( لا أعلم أحداً من القرَّاء في الدنيا أكثر أصحاباً منه )) .
ومن أشهر هؤلاء التلاميذ :
1- عبد الرحمن بن إسماعيل أبوشامة المقدسي الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي([49]) : الأصولي صاحب التصانيف ، قرأ على الإمام السخاوي ، ولازمه مدة طويلةً من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وستمائة .
وقد درّس وأفتى وبرع في اللغة ، وصنف شرحاً للشاطبية سماه : إبراز المعاني ، وصنف الكثير من المصنفات منها الذيل على الروضتين . توفي سنة ( 665 هـ) .
2- محمد بن عبد الله بن مالك الشافعي النحوي([50]) نزيل دمشق ، حافظ اللغة وصاحب الألفية المشهورة : ألفية ابن مالك .
3- محمد بن علي بن موسى أبو الفتح الأنصاري الدمشقي([51]) ، أحد الكبار من أصحاب أبي الحسن السخاوي ، وقد ولِي مشيخة القراء بعد شيخه بتربة أم الصالح ، وكان عارفاً بوجوه القراءات ، جيد اللغة ، توفي سنة ( 657 هـ ) .
3- جعفر بن القاسم الدمشقي المقرئ([52]) ، قرأ القراءات على الإمام السخاوي ، توفي سنة إحدى وتسعين وست مائة 0
4- أحمد بن عبد الله أبو العباس الخابوري([53]) ، ثم الحلبي المقرئ الشافعي ، خطيب جامع حلب قرأ القراءات على الإمام السخاوي . توفي سنة ( 690 هـ )
5- إبراهيم بن داود أبو إسحاق العسقلاني([54]) المقرئ الشافعي ، قرأ بالروايات على الإمام السخاوي ولزمه ثمانية أعوام ، حتى إنه جمع عليه سبع ختمات للسبعة ، وحمل عنه الكثير من التفسير والآداب والحديث توفي سنة ( 692هـ ) ، وهو من شيوخ الإمام الذهبي .
6- الحسن بن أبي عبد الله أبو علي الأزدي المقرئ([55]) ، قرأ القراءات على أبي الحسن السخاوي وهو من جلة أصحابه توفي سنة ( 669 هـ )0
7- رشيد الدين أبو بكر([56]) ، قرأ القراءات على العلم السخاوي ، وكان من كبار المقرئين توفي سنة ( 673هـ ) .
8- عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس([57]) ، الإمام الكبير ، المقرئ شيخ القراء في زمانه بدمشق وشيخ المالكية وفقيهم ، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي توفي رحمه الله سنة (681 هـ ) .
9- ركن الدين إلياس بن علوان الإربلي المقرئ([58]) ، قرأ على السخاوي ، وتصدر للإقراء بجامع دمشق زمانا ، يقال ختم عليه أكثر من ألف نفسٍ .
10- أحمد بن إبراهيم أبو العباس الفزاري المقرئ النحوي الشافعي([59]) ، خطيب جامع دمشق ، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي ، كان فصيحاً ، وفوهاً ، عديم اللحن ، عذب العبارة طيب الصوت ، توفي سنة ( 630 هـ ) .
المبحث السابع : آثاره ووفاته.
آثاره :
ترك المؤلف رحمه آثاراً عظيمةً من المؤلفات ، في موضوعات شتى ، فقد ألف في القراءات ، ورسم المصاحف ، والتفسير ، والفقه ، والنحو ، واللغة ، والشعر ، ذكرت منها مايلي([60]) .
1- فتح الوصيد في شرح القصيد شرح فيه القصيدة الشاطبية في مجلدين ، وهو الرسالة التي بين يديك .
2- الوسيلة في شرح العقيلة ، شرح فيه قصيدة عقيلة أتراب القصائد للإمام الشاطبي .
3- شرح المفصل للزمخشري في أربع مجلدات .
4- جمال القراء وكمال الإقراء ، في مجلد .
4- تفسير نصف القرآن إلى سورة الكهف في أربع أسفار ، توفي قبل إكماله .
5- الإفصاح وغاية الإشراح في القراءات السبع .
6- أقوى العدد في معرفة العدد .
7- القصائد السبعة في مدائح النبوية ، وقد شرحها تلميذه المقرئ أبوشامة المتقدم .
8- منازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم .
9- الجواهر المكللة في الأخبار المسلسلة .
10- مناسك الحج في أربعة مجلدات .
11- شرح المحاجاة في الأحاجي والمغلوطات للزمخشري .
12- شرح مصابيح السنة للبغوي .
13- متشابهات الكتاب .
14- إفصاح الموجز في إيضاح المعجز .
هذا بعض آثاره التي وقفت عليها .
وفاته .
بعد هذه الرحلة الممتعة في حياة شيخنا الإمام السخاوي ، انتقل إلى جوار ربه في سنة (643 هـ ) في شهر ، ومن شعره قبل وفاته وهو في مرضه([61]) :
قالوا غداً نأتي
ديار الحمى |
|
وينزل الرَّكب
بمَغْناهُمُ |
قال تلميذه الإمام أبو شامة([62]) : توفي شيخنا علم الدين ، علامة زمانه ، وشيخ أوانه بمنزله بالتربة الصالحية في ثاني عشر من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاثٍ وأربعين وستمائة ، وصُلي عليه بعد الظهر بجامع دمشق ، ثم خرج بجنازته في جمعٍ إلى جبل قاسيون ، وكانت على جنازته هيبةٌ وجلالةٌ وإخبات ، حضرت الصلاة عليه مرتين بالجامع ، وخارج باب الفرج ، وشيعته إلى سوق الغنم ، ثم رجعت لضعفٍ كان من أثر المرض ، وكان يوماً ماطراً وفي الأرض وحل .
الفصل الثاني
وصف كتاب (( فتح الوصيد ))
وفيه عدة مباحث :
المبحث الأول : أهمية كتاب فتح الوصيد على شروح الشاطبية .
المبحث الثاني : إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه .
المبحث الثالث: منهج المصنف في الكتاب .
المبحث الرابع : وصف مخطوطات الكتاب ونماذج منها.
المبحث الخامس : أسانيد الباحث المتصلة إلى قصيدة الشاطبية ، وكتاب فتح الوصيد .
المبحث الأول : أهمية كتاب (( فتح الوصيد )) على شروح الشاطبية .
ذكرت مكانة القصيدة الشاطبية في علم القراءات ووقفت على ثناء العلماء والقراء على هذه القصيدة ، وذكرت أيضاً عناية أئمة القراء للقصيدة ، وتهافتهم على خدمتها وشرحها ، وذكرت شراحها ، وأذكر هنا منزلة كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد وهو هذه الرسالة .
لمّا كانت القصيدة الشاطبية بهذه المكانة الرفيعة كان لزاماً أن يكون لها شرح واسع يحل ألغازها ورموزها ، ويسهل معانيها ، وقد بقيت الشاطبية من غير شرحٍ في حياة ناظمها ، ولكن بعد وفاته قيض الله واحداً من أقرب تلامذته لشرحه ، وهو الإمام السخاوي ، وقال الإمام الشاطبي لتلامذته أثناء شرحه القصيدة لتلامذته : يقيض الله فتىً يشرحها
قال الإمام أبو شامة في شرحه([63]) : (( حكى لنا بعض أصحابنا أنه سمع بعض الشيوخ المعاصرين للإمام الشاطبي يقول : لُمته في نظمه لها لقصور الأفهام عن دركها ، فقال : ياسيدي هذه يقيض الله لها فتىً يبينها )) فلما رأيت السخاوي قد شرحها علمت أنه ذلك الفتى الذي أشار إليه
قال العلامة أبوشامة مبيناً أهمية كتاب فتح الوصيد([64]) : (( وإنما شهرها بين الناس وشرحها ، وبين معانيها وأوضحها ، ونبّه على قدر ناظمها ، وعرَّف بحال عالمها شيخنا الإمام العلامة علم الدين بقية مشايخ المسلمين .علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي )) .
وقال العلامة المقرئ أبو إسحاق الجعبري في شرحه([65]) : (( وكلٌّ كَلٌّ على فاتح وصيدها ومانح نضيدها الشيخ العلامة تاج القراء ، سراج الأدباء ، علم الدين السخاوي ، لأنه قرأها على مؤلفها غير مرةٍ ، وهو أعلم بها من غيره من الشارحين )) .
قلت : رحم الله الإمام الجعبري على هذا التواضع واعترافه بالفضل لغيره ، فلقد شرح الشاطبية وسماه كنز المعاني في مجلدين ، ولكنه أبى إلا أن يرد الفضل لأهله .
قال الإمام ابن الجزري([66]) : (( بل هو والله السبب في شهرتها في الآفاق ، وإليه أشار الشاطبي بقوله : يقيض الله فتىً يشرحها )) .
المبحث الثاني : إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه .
اتفقت جميع المصادر التي ترجمت للإمام السخاوي والتي رجعت إليها بأنَّ له كتاباً شرح فيه قصيدة شيخه الإمام الشاطبي سماه : فتح الوصيد في شرح القصيد .
وهذا الذي ذكره الإمام السخاوي في مقدمة كتابه حيث قال : وسمَّيْتُه : (( فتح الوصيد في شرح القصيد )) .
وهو مثبتٌ على صفحة الغلاف في جميع النسخ المخطوطة التي رجعت إليها ففي نسخة شيستربتي كتب على الغلاف : كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد ، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام الكامل الحافظ المؤرخ علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي بدمشق .
وفي نهاية نسخة دار الكتب كُتب : قرأت جميع هذا الجزء والذي قبله وهما جميع كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد على مصنفه شيخنا وسيدنا الإمام العالم العلامة سيد العلماء والنحاة والقراء شيخ الإسلام بقية السلف وعمدة الخلف علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي ، أمتعنا الله بطول حياته وأعاد على الكافة من بركاته .
فهذه تؤكد أن كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد من مؤلفات الإمام السخاوي .
المبحث الثالث: منهج المصنف في الكتاب .
كان منهج الإمام السخاوي في كتابه فتح الوصيد على النحو التالي :
1- مقدمة فيها ثناءٌ وتمجيد لرب العالمين ، ثم اسم الكتاب وأهمية حرز الأماني ، وأهمية كتاب التيسير .
2- ترجمة وجيزة لشيخه الإمام الشاطبي وفيها صفاته وأحواله وشيء من كراماته ، ثم وفاته والصلاة عليه ومكان دفنه .
3- إجازات الإمام الشاطبي من شيوخه ، وأهمهم الإمام المقرئ أبي عبد الله النفزي ، وابن هذيل .
4- ذكر القراء السبعة وأسانيدهم .
4- ذكر فيه بعض قصائد الإمام الشاطبي التي نظمها في حياته .
5- شرح مفصل للقصيدة الشاطبية .
أسلوب الإمام السخاوي في الشرح :
كان كتاب فتح الوصيد شرحاً وافياً شاملاً واسعاً للقصيدة الشاطبية ، فعند قراءة الكتاب والعيش معه في تحقيقه شعرت أنني أمام كتاب واسعٍ ، فيه مادة علمية غزيرة ، فهو كتاب حوى عدة كتبٍ .
في علم القراءات ، حلّ القصيدة وشرح غموضها ، وبَيَّن مراد الناظم في الرموز ، فكان هذا الكتاب نبعاً معيناً لشروح الشاطبية من بعده ، وحَكَماً بين شراح القصيد إذا اختلفوا في أبيات الناظم .
كذلك بَيَّن أقوال علماء النحو والصرف في كثير من الكلمات اللغوية ، وبين وزنها الصرفي ، وناقش آراء النحاة وردّ عليهم لأنهم حكَّموا القرآن على قواعد النحو مما دفعهم للطعن في كثيرٍ من القراءات المتواترة ، فكان ردّه عليهم رداً علمياً واسعاً ، يدلك على دقته ورسوخه في علم النحو والصرف فمثلاً : في حقيقة الإشمام في : (( قيل )) (( وحيل )) .
يقول([67]) : وزعم قومٌ من أهل الأداء أنَّ حقيقة الإشمام في ذلك : أن يُشمَّ أوله ضماً مختلساً ، وهذا أيضا باطل ؛ لأنَّ مايختلس من الحركات ولا يتم الصوت به كهمزة بين بين ، وغيرها ، لا يقع أبداً أوَّلاً ، وذلك لقربه بالتضعيف والتوهين من الساكن المحض ، وإنما دخل الوهم على هؤلاء وعلى قومٍ من جهلة النحاة من أجل العبارة عنه بالإشمام .
ردّ على النحاة لطعنهم في قراءة ابن عامر في قوله تعالى : { وكذ1لك زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهُم شُركائِهِم } ، وخاصة إنكار الإمام الزمخشري قراءة ابن عامر قال الإمام السخاوي([68]) : وقد اشتد نكيرُ النحاةِ البصريين على ابن عامرٍ وسلك المتأخرون مسلكهم في الطعن والردِّ حتى قال بعضهم([69]) : (( إنَّ ذلك لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجَاً مردوداً ، كما سَمُجَ ورُدَّ :
. . . . . . . . . . . . زجَّ القلوص أبي مزادة
فكيف به في الكلام المنثور ، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته ؟. قال : والذي حمله على ذلك أنْ رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء ، ولو قرأ بجر فقد أورد شواهد من أشعار العرب على صحة القراءة ، ثم ردَّ السخاوي فقال:
وإذا ثبتت القراءة عن إمامٍ من أئمة القراءة فما وجه الطعن فيها ؟، وأما الخطُّ فما اعتمدت اللغة عليه إلا مع النقل ، وقد جاءت التفرقة بين المضافين في الكلام والشعر ، وقد حكى ابن الأنباري عن العرب : هو غلام إن شاء الله أخيك .
وقد اهتم الإمام السخاوي بالشواهد الشعرية في كتابه فقد أورد العديد من شواهد كأدلة على صحة القراءة .
في الفقه أعطى اهتماماً بالمسائل الفقهية وتوجيه القراءة المختلف فيها ، واختلاف الفقهاء في ذلك ، فمثلاً القراءة في { يطهرن } قال : لأنَّ يطهرن بالتخفيف يحتمل أن يراد به انقطاع الدم ؛ فيكون التقدير على هذا على رأي من لا يجيز الوطء إلا بعد الغسل حتى يطهرن ويتطهرن بالماء ، ويدل على ذلك قوله { فإذا تَطَهَّرْنَ }([70]) ، وهذا كما تقول : لا تكلم زيداً حتى يجلس فإذا طابت نفسه فكلِّمه أي : فإذا جلس وطابت نفسه فكلِّمه ؛ فهذا وجه قد سما فيه عند مَنْ عوَّل عليه ، وأبو حنيفة يجيز الوطء من غير اغتسال إذا انقطع الدم لأكثر مدة الحيض عنده وهو عشرة أيام .
وأباح الأوزاعي وطأها بعد انقطاع الدم إذا غسلت فرجها ، وكذلك يقول مجاهد إذا توضأت وأصحاب هذه الإباحة يحتجون بظاهر اللفظ ، وفي قوله : حتى يطهرن ويحملون قوله { فإذا تطهرن } على ذلك ويجعلونه بمعناه ويحتمل التخفيف أيضاً
أن يكون حتى يطهرن بالغسل كما تقول لمن اغتسل من الجنابة : قد طهرت ، وهو معنى تفسير الحسن ، ومَنْ قرأ يطَّهَّرن فأصله يتطهرن فأدغمت التاء في الطاء([71]) .
كذلك اختلافهم في قراءة أرجلكم قال رحمه : وقيل : لمَّا كان غَسْلُ الأرجل بصبِّ الماء فهي مَظِنَّةٌ الإسراف ، وهو منهيٌّ عنه مذموم فعطفت على الممسوح لا لتُمْسَحَ ولكن ليُنَبِّهَ على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها .
وقوله : { إلى الكَعْبَيْنِ } [المائدة 6] دالٌ على الغُسل لأنَّ المسح لم يُجْعَل له حدٌّ ؛ وقال الشافعي رحمه الله : أراد بالنصب قوماً ، وبالجر آخرين ؛ يعني أنهما نزلتا من السماء ، فأفادت إحداهما وجوب الغسل ، وأفادت الأخرى المسح على الخفين ؛ ولذلك قال النبي e في القراءتين المختلفتين : (( هكذا أنزلت هكذا أنزلت )) ؛ فهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي([72]) .
ومما يمتاز به الكتاب اعتماده على كتاب التيسير ، فهو شرح القصيد لكنه رجع إلى أصل القصيد وهو كتاب التيسير فأخذ يثبت ماذكره الإمام أبوعمرو الداني .
كذلك مناقشة آراء المعتزلة ، وعلى رأسهم شيخ النحاة في عصره الزمخشري ففي قراءة ابن عامر { وكذ1لك زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قتلُ أولادَهُم شُركائِهِم } فقد دافع عنها وردَّ قول النحاة كما تقدَّم .
كذلك اهتمامه بتوجيه القراءات المختلف فيها، فكان ينقل كلام أبي علي الفارسي في توجيه القراءة ويعتمد عليه إلا إذا أنكر قراءة من القراءات فكان يردُّ عليه ويخطئه .
اعتماده على أمهات كتب النحو ككتب سيبويه ، وكتاب معاني القرآن للفراء ، وكتاب معاني القرآن للزجاج والأخفش ، فكان يورد كثيراً من أقوالهم التي ذكروها في كتبهم لأنهم أئمة النحو في زمانهم .
اهتمامه بالأحاديث النبوية ، فيأتي بها عاضداً لصحة القراءة ، ولكن قد تكون هذه الأحاديث غير صحيحة فيوردها([73]) دون النظر إلى درجة صحتها .
المبحث الرابع : وصف مخطوطات الكتاب ونماذج منها.
من خلال الاطلاع والبحث وقفت على نسخٍ لهذا الكتاب في مكتباتٍ متفرقة ، وكلها نسخٌ ذات قيمةٍ عالية ، ومن هذه النسخ مايلي :
1 - نسخة الأصل : وهي مصورة عن نسخة شيستربتي من إيرلندا تحت رقم 3926/ف ، وقد حصلت عليها من مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعدد ورقاتها ( 150 ) ورقة ، في كلِّ ورقة لوحتان وعدد السطور في كلِّ لوحة 29 سطراً .
وكتبت بخط نسخ كتبها محمد بن عمر بن أبي الطاهر الإسكندري ، وتاريخ النسخة كما هو مثبت في آخر الكتاب كالتالي : وكان الفراغ من نسخه يوم الخميس لسبعٍ وعشرين ليلة خلت من شهر شعبان من عام ( 612هـ) وهذه أقدم نسخة لهذا الكتاب حيث كتبت في حياة المؤلف ، وكان عمر الإمام السخاوي ( 54 ) عاماً أي كتبت قبل وفاته بواحدٍ وثلاثين عاماً ، وهي نسخة لها قيمتها التوثيقية بالنسبة لتاريخها القديم ، وعليها تصحيحات ، وهي مقرؤة ومقابلة على نسخة المصنف حيث كتب على الحواشي ( بلغ قراءة ) ، وكتب في آخر النسخة عبارة ( بلغ هنا مقابلة نسخة المصنف ) .
وتقع في جزأين ، الجزء الأول من أول الكتاب إلى نهاية الأصول ، والجزء الثاني من أول سورة البقرة إلى نهاية الكتاب ، وقد جعلت الجزء الأول أصلاً اعتمدت عليه في تحقيق الكتاب ، رمزت لها بـ ( ش ) .
وأسباب اختياري للجزء الأول منها ليكون أصلاً للكتاب مايلي :
- كتبت في حياة المصنف وهي أقدم نسخة وتاريخها ( 612هـ ) .
- مقرؤة ومقابلة على نسخة أخرى .
- في حواشيها تصحيح لبعض الأخطاء .
2- نسخة مصورة من مكتبة باريس الوطنية برقم (611 ) ، وقد حصلت على صورة منها من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات ، وتقع في مجلدٍ واحد وتبدأ من بداية قول الناظم :
بَدَأْتُ بِبِسْمِ اللهِ في النَّظْمِ أَوَّلا تَبَارَكَ رَحْمَانَاً رَحِــيمَاً وَمَـوْئـِـلاً
إلى نهاية الأصول ، وقد استفدت من النسخة في المقابلة ، وأثبت الفوارق ، ولم يعرف تاريخ النسخ ، ولكن يغلب على الظن أنها كتبت في القرن الثامن ، ورمزت لها بـ (ب ) .
3- نسخة مكتبة عارف حكمت في المدينة المنورة برقم (35/قراءات ) في جزأين ، وتقع في (207 ) ورقة ، وفي كل ورقة لوحتان ، وعدد السطور في كل لوحة ( 25 ) سطراً ، بدون تاريخ أو ذكر اسم الناسخ ، والترقيم فيها يختلف عن المخطوط الأصلي ، وربما يعود تاريخ النسخ إلى القرن الثامن الهجري ، وقد رمزت لها بـ ( ع ) ، وفيها سقط لبعض الأوراق قد أشرت إلى مواضعه، وقد استفدت منها في المقابلة مع الأصل وفيها زيادات قيمة قد أثبتها مع الأصل وأشرت إلى تلك الزيادات .
4- نسخة مكتبة التيمورية برقم ( 255 ) وكتبت في تاريخ ( 840هـ ) كما هو مثبت في آخر المجلد ، وقد حصلت على مجلدٍ واحدٍ من بداية الكتاب إلى نهاية الأصول ، وعدد أوراقها ( 257 ) في كل ورقة لوحتان وعدد الأسطر في كل لوحة (19) سطراً، وهي نسخة جيدة الخط ومضبوطة ورمزت لها بـ ( ت ) ، وقد استفدت منها في المقابلة مع الأصل .
5- نسخة دار الكتب المصرية ، وهي أنفس نسخة وقعت تحت يدي ، وتقع في (206) ورقة ، في كلِّ ورقة لوحتان ، وعدد الأسطر في كل لوحة (19) سطراً ،ويرجع تاريخ النسخ إلى ( 640هـ ) ومضبوطة حرفاً حرفاً ، وهي ذات جودة عالية ، خطها جميل ليس فيه غموض ، وفيها سقط ثلاث أوراق ، ويوجد منه مجلد واحد وهو الجزء الثاني من الكتاب من بداية سورة البقرة إلى نهاية الكتاب ، ولكنها وضعت مع المجلد الأول من النسخة التيمورية حتى يكتمل الكتاب .
وقد قوبلت هذه النسخة مع نسخة المؤلف وقرئت على المصنف الإمام السخاوي ، كما هو مثبت في آخر الكتاب يقول ناسخها :
قرأت جميع هذا الجزء والذي قبله وهما جميع كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد على مصنفه شيخنا وسيدنا الإمام العالم العلامة سيد العلماء والنحاة والقراء شيخ الإسلام بقية السلف وعمدة الخلف علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي ، أمتعنا الله بطول حياته وأعاد على الكافة من بركاته .
وكتب محمد بن عبد المنعم بن علي بن عبد الغني بن علي بن رمضان القرشي عفا الله عنه ، وذلك في العشر الوسط من ذي الحجة سنة أربعين وستمائة ، والحمد لله أولاً وآخرًا ، وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وسلامه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
وقد كُتِب على ورقة الغلاف مايلي : فتح الوصيد في شرح القصيد ، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام الكامل الحافظ المؤرخ علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي بدمشق .
كما يوجد على غلافها خط الإمام السخاوي ، وقد جعلت هذه النسخة أصلاً للجزء الثاني من هذه الكتاب ، والحقُّ أنَّ هذه النسخة قد أفادتني إفادة جمة في سير تحقيق الكتاب .
وأسباب اختياري هذه النسخة لتكون الأصل للمجلد الثاني مايلي :
- مقرؤة على المصنف نفسه مع المقابلة بأصل نسخته .
- فيها تصحيحات من نسخة المصنف
- حسن الخط التي كتبت به مع الضبط لكل حرفٍ .
المبحث السادس : أسانيد الباحث المتصلة إلى قصيدة الشاطبية ، وكتاب فتح الوصيد .
لقد اختصت الأمة المحمدية عن غيرها من الأمم الغابرة بنعمة الإسناد الذي يربط خلف الأمة بسلفها ، وكانت الإجازة أحد الأوجه الثمانية في التحمل ، وبقيت سنةً جارية عند أهل العلم دون انقطاعٍ في ذلك سواء في كتاب الله أو أحاديث رسول الله e .
ومن إكرام الله عليَّ أني قرأت القرآن بقراءاته العشر بإسنادٍ إلى رسول الله e .
سندي المتصل بالإمام الشاطبي :
قرأت القرآن من أوله إلى آخره ثلاث مرات على شيخي وأستاذي العلامة المحقق المقرئ الشيخ عبد الفتاح المرصفي رحمه الله وأمطر على قبره شآبيب رحمته .، وذلك في طيبة الطيبة في المدينة المنورة على ساكنها أزكى الصلاة والسلام .
قرأته مرة برواية حفصٍ عن عاصم إفراداً ، ومرة جمعاً بالقراءات السبع من طريق الشاطبية ، ومرة بالقراءات الثلاثة من طريق الدرة .
أما القراءات السبع من طريق الشاطبية فقد أخبرني أنه تلقاه عن عدة شيوخٍ متقنين ، من أبرزهم المقرئ الكبير الشيخ أحمد عبدالعزيز الزيات ، وهو عن المقرئ الشيخ عبدالفتاح هنيدي ، وهو عن العلامة المحقق الشيخ محمد بن أحمد المشهور بالمتولي ، وهو عن الشيخ أحمد الدري التهامي ، وهو عن شيخ قراء وقته الشيخ أحمد بن محمد المعروف بسلمونه ، وهو عن شيخه المحقق السيد إبراهيم العبيدي ، وهو عن الشيخ عبدالرحمن الأجهوري ، وهو عن العلامة الشيخ أحمد البقري المعروف بأبي السماح ، وهو شيخ قراء وقته الشيخ محمد بن قاسم البقري ، وهو عن شيخ قراء وقته الشيخ عبدالرحمن اليمني ، وهو عن والده الشيخ شحاذة اليمني ، وهو عن العلامة الشيخ ناصر الدين الطبلاوي ، وهو عن شيخ الإسلام والمسلمين أبي يحيى الأنصاري ، وهو عن شيخ وقته أبي النعيم رضوان بن محمد العقبي ، وهو عن شيخ القراء والمحدثين المحقق الإمام محمد بن محمد الجزري ، وهو عن شيخ إقراء مصر الشيخ أبي محمد عبدالرحمن بن أحمد بن علي بن المبارك بن معالي البغدادي الواسطي ، وهو عن شيخ إقراء مصر أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبدالخالق المصري المعروف بالصائغ ، وهو شيخ قراء مصر علي بن شجاع المعروف بالكمال الضرير وبصهر الشاطبي عن الناظم أبي محمد القاسم بن فِيرُّة بن خلف الشاطبي .
وبنفس الإسناد السابق أروي قصيدة الإمام الشاطبي بقراءتها عليه من أولها إلى آخرها .
وأروي قصيدة الشاطبية ضمن الإجازة الخاصة والعامة عن مسند العصر المحدث العلامة الشيخ محمد بن ياسين الفاداني المكي ، وهو عن العلامة المقرئ الشيخ إبراهيم بن موسى الخزامي ، عن العلامة الشيخ محمد الشِّربيني الدمياطي ، عن الشيخ أحمد اللخبوط الشافعي ، عن الشيخ محمد شطا ، عن الشيخ حسن بن أحمد العوادلي ، عن أحمد بن عبدالرحمن الإبشيهي ، عن عبدالرحمن الشافعي ، عن أحمد بن عمر الإسقاطي ، عن الشيخ سلطان بن أحمد المزَّاحي ، عن سيف الدين بن عطاء الله الفضالي ، عن الشيخ شحاذة اليمني ، عن الشيخ ناصر الدين الطبلاوي ، عن شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري ، عن الشيخ أحمد القلقيلي النويري ، عن العلامة الإمام محمد بن محمد الجزري وهو عن شيخ إقراء مصر الشيخ أبي محمد عبدالرحمن بن أحمد بن علي بن المبارك بن معالي البغدادي الواسطي ، وهو عن شيخ إقراء مصر أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبدالخالق المصري المعروف بالصائغ،وهو شيخ قراء مصر علي بن شجاع المعروف بالكمال الضرير وبصهر الشاطبي، عن الناظم أبي محمد القاسم بن فِيرُّة بن خلف الشاطبي
وأما سندي إلى كتاب(( فتح الوصيد في شرح القصيد )) .
فأقول : أروي كتاب (( فتح الوصيد في شرح القصيد )) ، بالإجازة العامة عن مسند العصر المحدث العلامة الشيخ محمد بن ياسين الفاداني المكي رحمه الله ، وهو عن العلامة المقرئ الشيخ إبراهيم بن موسى الخزامي ، عن العلامة الشيخ محمد الشِّربيني الدمياطي ، عن الشيخ أحمد اللخبوط الشافعي ، عن الشيخ محمد شطا ، عن الشيخ حسن بن أحمد العوادلي ، عن أحمد بن عبدالرحمن الإبشيهي ، عن عبدالرحمن الشافعي ، عن أحمد بن عمر الإسقاطي ، عن الشيخ سلطان بن أحمد المزَّاحي ، عن سيف الدين بن عطاء الله الفضالي ، عن الشيخ شحاذة اليمني ، عن الشيخ ناصر الدين الطبلاوي ، عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، عن الشيخ أحمد القلقيلي النويري ، عن العلامة الإمام محمد ابن محمد الجزري ، عن الإمام الحافظ أبي المعالي محمد بن رافع ، قال أخبرنا بها الإمام الرشيد إسماعيل بن عثمان الحنفي([74]) ،وهو عن الإمام علي بن محمد بن عبد الصمد أبي الحسن علم الدين الهمْداني السَّخَاوي ، المقرئ المفسِّر النَّحْوي ، شيخ القرّاء بدمشق في زمانه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق